اشلاء القلوب 4

_ الفصل الثالث والعشرون _

فتلتفت بزعر خلفها على صوت مراد الذي قال بنبرة رجولية مخـ,,ــــيفة :
_ روان !!

أخفت الهاتف خلف ظهرها بسرعة في خوف بعد أن أنهت الاتصال وتمتمت بتصنع الخنق :
_ أيوة الزفتة اللي اسمها روان معندهاش دم شغالة تتصل ليها فترة وقرفاني وأنا آخر ما زهقت هددتها إنها لو اتصلت تاني مش هيحصلها كويس

دقق النظر في وجهها يراقب عيناها الزائغة والغارقة في بحر أسود مخـ,,ــــيف ، شفتيتها الشبه مرتجفتان ، إصفرار وجهها بسرعة بمجرد رؤيتها له ! . نفض عن زهنه تلك الأفكار وفضّل عدم الانشغال بها ؛ فاستدار وهم بالرحيل لولا صوتها الذي استوقفه لتقترب منه وتهتف بحيرة :
_ هو إنت في حاجة بينك وبين أخوك ، متخانقين يعني ولا إيه ؟!

_ حاجة زي كدا !

تمتمت بريبة أشد في قلق :
_ متخانقين ليه ؟ ، إنتوا أول مرة تعملوها !

ثانية بالتحديد وأكملت بدهشة امتزجت بأعين ملتهبة حين تذكرت ماحدث له منذ أيام :
_ ليكون اليوم اللي جيت فيه وقولت اتخانقت كان مع أخوك يا مراد ، أُسيد عمل كدا !!!

زفر بانزعاج شامل ومسح على وجهه مُتأففًا ليهتف بحدة ، يريد أن يُنهي الأمر فأن تدخلت بينهم ستتعقد الأمور أكثر :
_ أمي ملكيش دعوة بالموضوع ده ومتدّخليش بينا ، مشكلة حصلت وقاطعـ,,ــــنا بعض بسببها ، انتهينا بقى !

***
تسرح شعرها بهدوء تام ، وتراقب انعكاس وجهه في المرآة وهو جالس على الفراش خلفها ، منشغل بإنهاء شئ خاص بالعمل قبل أن يغادر . فسرحت بذاكرتها لليلة أمس تستعيد ذكرياتها ، كيف كان اعترافه كسمفونية هادئة عزفت على أوتار قلبها فجعلته يسكن ويهدأ ، كيف جعلها تعيش لحظة من أجمل لحظات حياتها . رأته وهو ينظر إليها مبتسمًا ، فنهضت وسارت لتجلس بجوراه متمتمة في خشوع :
_ هو إنت رايح الشغل إمتى بظبط ؟

_ دلوقتي ، هقوم البس وأمشي ، إنتي عايزة حاجة ولا إيه ؟

هزت رأسها نافية قبل أن تتحدث بتردد :
_ لا ، بس أنا كنت عايزة .. اروح عند زمردة

_ وليه زمردة متجيش هي هنا ؟

_ يا أُسيد عايزة أطمن عليها بعد اللي عمله أكرم ، وبعدين تاجي هي إزاي يعني !؟

تنفس الصعداء وهو ينهض من جوارها ويردف بموافقة جميلة :
_ ماشي ياملاك استني بليل لما أجي هاخدك ونروح

لاحت ابتسامة جميلة على ثغرها تتطلع إليه بها في حبٌ قبل أن يقول بجدية قصدها :
_ وجهزيلي شنطتي علشان مسافر بكرة للندن شغل !

تحولت نظرتها إلى الدهشة والضيق ، لا تصدقه سيتركها ويذهب و أمس فقط بدأ كل منهم يرتبط بالآخر فعليًا . بدت طريقته في التحدث غريبة ، عادت شبيهة بمعاملته السابقة ! . نهضت من الفراش وغمغمت بترقب :
_ يعني هتروح وحدك مش هتاخدني معاك

تصنع الحدة الشديدة وهو يشيح بوجهه عنها قائلًا بخنق مزيف :
_ أخدك إزاي يعني ياملاك بقولك شغل ، هتاجي تعملي إيه معايا !

_ على الأقل أكون معاك ، أنا مش عايزة أقعد وحدي هنا

صاح في نبرة شبه مرتفعة يتصنع الغضب والضيق أمامها كي تسير خطته كما خطط لها :
_ وتقعدي وحدك ليه ما الكل قاعد أهو وأنا يومين وهاجي ، بلاش شغل العيال ده ياملاك

طالعته بريبة من أمره وشعرت بالدموع تجمعت في مقلتيها ، لا تفهم سبب قسوته العجيبة تلك ، كان منذ ساعات قليلة يضحك ويشاكسها ، ماذا حدث له ! . فصاحت به منفعلة في غيظ فلم تعد ملاك التي تخاف من كل شئ :
_ طيب مش عايز تاخدني براحتك بس متزعقش كدا ، وأنا أصلًا خلاص غيرت رأي مش عايزة أروح معاك مكان

ضحك بقوة لانفعالها السريع واقترب منها ولف ذراعه حول كتفها يضمها إليه قائلًا من بين ضحكاته :
_ مش عايزة تروحي معايا ! ، طاب والتذاكر اللي حجزتها دي أوديها فين ، ولا بقى عايزاني أروح لندن والبنات يضحكوا عليا وأجيلك متجوز

دفعته بجفاء وهي تقول بتذمر طفولي :
_ روح أتجوز هو أنا منعتك !

ارتفعت صوت ضحكته الرُجولية متمتمًا بمكر دفين :
_ هتفضل إنت الأصل برضوا ياجميل ، يلا بقى جهزي نفسك علشان بكرة تكوني جاهزة ومتقولّيش نسيت ما أعمل إيه ومعرفش إيه !

دارت بوجهها للجهة الأخري وهي تجيبه بتبرم في غضب :
_ ومين قالك إني عايزة أروح أساسًا قولتلك غيرت رأي خلاص

شهقت بفزع عندما أحست به يقترب منها فجأة ، ظلت تتراجع للخلف في توتر وهي يتقدم ، حتى وقف وصاح بها في ضجر مزيف :
_ تعالي هنا أخلصي !

اتتفضت بخوف بسيط وأبت التقدم فأكمل صياحه بنفس الجملة السابقة لتضطر للاقتراب منه بارتباك وحين وقفت أمامه وقال بازدراء :
_ بهير يقول لبهبوري إيه !؟

انفجرت ضاحكة بشدة وانهالت عليه تلقنه بيدها الرقيقة بعض الضر*بات على كتفه صائحة به بغيظ :
_ يامستفز يابارد ، وبهير يقول لبهبوري زفت عليه !

_ نعم !

تراجعت فورًا عن ماقالته لتجيبه بتصنع الخوف :
_خلاص يقول حاضر !

شاركها الضحك ، قبل أن يضمها لصدره معانقًا إياها ، يستشعر بها بين ذراعيه وينحني يقبل شعرها بعـ,,ــــشق لتسمع صوته الحاني يهمس في نبرة جمعت كل معاني الحنان والحب والرقة :
_ ده الواحد على كدا يقدر يضحك عليكي بسهولة ، صدقتي علطول أول ماقولتلك مش هاخدك ياملاك . هو برغم إنه شغل فعلًا بس ميمنعش إني هاخدك ونتفسح شوية ونقضي شهر لطيف كدا ولا إنتي إيه رأيك ؟

اكتفت بصمتها كعلامة على موافقتها ، تشعر بكل حرف يقوله ، تعـ,,ــــشقه في كل حالته : حين يغضب ، وحين يكون مرح ، وحين يتحول إلى شخص عاشق تتجسد به كل سم*ات الرقة والحنان . لم تراه يداعبها هكذا منذ بداية رحلتهم مع بعضهم ، كل يوم تكتشف شيء جديد عنه كما أخبرها من قبل ، رآته كيف يكون حين يعـ,,ــــشق ويحب ، وحين يمرح ، وحين يغضب وهذا لا يكون إلا بسبب قوي ! . ربما هناك الكثير يشبهوه ولكنها لم تعهد سواه لم ترى رُجلًا يحمل جميع معاني الكلمة ، ولا تريد أن ترى سواه فهو يكفيها إلى الحد الذي يجعلها تبغض أي رجل غيره ! ..

***
وقفت لأول مرة بعد ماحدث معها على شرفة الغرفة تستتشق الهواء الصافي وتملأ به رئيتها ، تحملق في السماء التي تزينها قطع غيوم متفرقة . تتخيل حياتها كيف تحولت إلى جحيم أو كغيمة حجبت ضوء الشمس من الانطلاق وهي كانت الشمس التي فقدت ضوءها وشعاعها ، فيعود عقلها يحدثها بتفاءل ” وحتمًا الأمطار ستهطل وتزيح تلك الغيمة لتترك المساحة لذلك الضوء بأن ينطلق ” ولكن هناك طرقات لا تصل لها الشمس مهما فعلت فحتى إن أشرقت لن تستطيع إشراق قلبها الأشبه بتلك الطرق المظلـ,,ــــمة . وقع نظرها عليه وهو يجلس في حديقة المنزل ينظر لها بعينان تتحدثان بالنيابة عنه يطلبان منها الموافقة على طلبه ، أن تعطيه فرصة لكي يزيح تلك الغيوم ويهدم جميع المباني التي تمنع تسلل الشمس لطرقها ، أن تسمح له بأن يعيد النور لقلبها الذابل . يتفهمها جيدًا ويعرف ما تفكر به تشعر بالنقص تأبى شعورها بالشفقة منه ، تحس أنها بعد ماحدث ليس لديها الحق في الزواج والعيش بسعادة كالذي ارتكب جرم ويحاسب نفسه عليه ! . سمعت صوت أخيها من خلفها فالتفتت وحين رأى العَبَرات متجمعة في عيناها تحرك نحوها وهتف بقلق جلي :
_ مالك ياسارة ؟

ارتمت داخل أحضانه وانفجرت باكية بشدة وتهتف بتشنج :
_ تعبت ياريان مبقتش عارفة أعمل إيه ، كرهت نفسي وحياتي كلها

انتبه إلى مراد الذي يسير تجاه سيارته ويستقل بها ففهم الأمر فورًا ، وأبعدها عنه ليقول بهدوء في حنو أخوي :
_ لو مش موافقة براحتك دي حاجة ترجعلك إنتي ومفيش حد هيقدر يغصبك على حاجة

اجهشت في البكاء أكثر وتشدقت بصوت مرتجف في صراحة غير مألوفة :
_ أنا منكرش إن كان في مشاعر تحركت مني ليه ومازالت المشاعر موجودة بس أنا مش عايزة أتجوز بالطريقة دي يا ريان مش عايزة أحس بالشفقة منه

_ لو عايزة رأي أنا مش معارض على مراد وواثق أنه هيحافظ عليكي وأنسب واحد ليكي حاليًا ولكن في النهاية دي قرارك وبراحتك هاا قولتي إيه ؟

صمتت قليلًا تفكر في الأمر مليًا لا تعرف توافق أم لا ، وضعت في موقف لا تحسد عليه . وأخيرًا بعد تفكير عميق قررت الموافقة ، لربما تعطي لنفسها فرصة معه وإن لم تنجح الفرصة لن تخرج خاسرة فكما قالت أمها ستسمى بالمُطلقة وسيكون أفضل من وضعها هذا ! . وجدها تهتف بخفوت وهي تجفف دموعها :
_ موافقة ياريان قولهم موافقة !

***
وقفت في أحد الأركان المختفية عن أعين أي شخص بحيث لا يستطيع أحدهم سماعها وتحدثت بانفعالية لخالد :
_ يعني إيه متقدرش يازفت إنت !

_ يا أشجان هانم طلعيني من موضوع ملاك ده خالص أي حاجة فيها ملاك اعتبريني مش موجود ، أنا خايف على نفسي

قهقهت مستنكرة وهي تجيبه بشيء من السخرية :
_ خايف على نفسك ، لا متخافش ملاك مش بتعض ، ولا بقى أُسيد عرف حاجة وهددك ؟

وكأن أنفاسه كُتمت ولم يستطيع الرد وفي لحظة جال بخاطره تهديد أُسيد له كيف كان ؛ فأصرّ على موقفه . بينما هي فالتفتت خلفها بفزع عندما شعرت بالهاتف يسحب من على أذنه بعنــ,,ـــــف ويضعه على أذنه يهتف بصوت جهوري :
_ خليك فاكر تحذيري ياخالد كويس

ازدرد الأخير ريقه برعب وأنزل الهاتف من على أذنه وألقاه على الفراش بارتعاد ، أما أشجان فكأن العاصفة المدمرة قامت للتو ولن تذهب إلا بعد تدميرها . شحب لون وجهها ، وأخذ الرعب يصعد حتى وصل إلى وجهها ، وأحدث اختلاجًا في شفتيها .
سمعته وهو يقول بتهديد مباشر وأعين مشعة بشرارة الغضب :
_ أحيانًا بتضطريني لحاجات أنا مش عايز أعملها يامرات عمي ، حتى الآن تغاضيت عن كل عمايلك من بداية خيانتك لعمي مع أبو ملاك ولما لقتيه سابك واكتشفتي أنه بيستغلك علشان يوصل لعمتي مستحملتيش ، و*تيهم ومن بعديهم ملاك اللي حاولتي ت*يها ومن ثُم أخيرًا عزت اللي *تيه لما عرف بحقيقتك وكان هيكشفك .. هو طبعًا متفتكريش نفسك هتهربي باللي عملتيه ومسيره هيجي اليوم اللي هتدفعي تمنهم . ودلوقتي أنا بحذرك أقسم برب العزة ورحمة مريم لو جربتي بس تقربي من ملاك مش هاجي أتكلم معاكي لا أنا هتعامل بالفعل علطول ولو حصلتلها حاجة أول حد هشك فيه هو إنتي

ابتسمت بغطرسة وعقدت ذراعيها أمام صدرها تهتف بنظرة متقدة كلها ذكاء وحقد :
_ وإنت مش خايف أعمل فيك زي ما عملت مع عزت !

ضحك بقوة ، وأجابها بنبرة ثابتة كلها تحدىٍ وعدم إكتراث لسخافتها تلك امتزجت باللهجة الصعيدي :
_ شكلك إكده لسا متعرفنيش ! ، أنا مبخفش من الحريم وخصوصًا لو كانوا زيك مع احترامي ليكي طبعًا ، بس مش أنا اللي تهددني حُرمة أي كانت مين باختصار شديد لإني لا عمي عزت وجوز عمتي اللي *تيه ولا غيرهم ، أنا لو عايز دلوقتي هد*فنك في أرضك ومحدش هيحس بيكي ولا هيعرفولك ج*ثة ، واعية للكلام اللي بقوله ولا لا خليكي بعيدة عن ملاك لمصلحتك بدل ما أخليكي تعيشي آخر أيام حياتك في جحيم !

وفي لحظة وجدته بنصرف من أمامها كالش*بح الذي ظهر في لحظة وانصرف في لحظة . ظلت مذهولة من كلم*اته ، لم تراه يتحدث بتلك الطريقة من قبل وكأن كل كلمة قالها عزم على تنفيذها بالفعل إن اقتربت من زوجته ولن يبالي لأحد ، ولكن كما قال المثل إن أدرت * الثعبان فعليك برأسه .. !

***
كانت أسمى تجلس على طاولة الطعام الصغيرة التي تتوسط نصف المطبخ وتمسك بيدها كوب الشاي خاصتها شاردة الزهن ، أحيانًا تتعجب من مروان تتغاطي أكثر من مرة عن نظراته وتفسرها بأنها شيء عادي ولكن مع كل مرة يثبت لها أنها تحمل في جوفها معانٍ جمة ، تذكرت نظرته الغامضة للخاتم حين أعطته له وكلم*اته التي لم تفهم معظمها ، ماذا كان يقصد بهم ؟ .
وجدت ملاك تدلف للمطبخ وتبدأ الأخرى بتحضير كوب الشاي خاصتها ، يبدو أنه إدمان لجميع أفراد المنزل ، وحين انتهت اقتربت وجلست على المقعد المقابل لها تحاول خلق حديث معها وتهتف بصفاء :
_ مقولتيش عملتي إيه لما أتأخرتي برا والسواق مجاش ، مروان جالك علطول

هزت رأسها بامتعاض في إيجاب فأكملت بتصنع المرح :
_ وأكيد طبعًا بهدلك ؟

_ إنتي عايزة توصلي لإيه ياملاك ؟!

تنهدت الصعداء بعدم حيلة وغمغمت بضيق :
_ ولا حاجة يا أسمى ، عايزة أفهم سبب تعاملك معايا كدا

_ إنتي عارفة إيه سببه كويس أوي

_ لا ده مش سبب يا أسمى لإن إنتي عارفة إني مليش ذنب في أي حاجة حصلت ، إنتي بس مش حباني فبتحاولي تلاقي حجة تعلقي شماعتك عليها مش كدا

التزمت الصمت ، محملقة بها بخنق ، ربما تكون لديها الحق في ماقالته فهي بغضتها ؛ لسبب غير مقنع وهو أنها لم تستلطفها فتحججت بأنها بغضتها لأن أُمها هي السبب في موـ,,ــــت أبيها التي لا تعرف عنه شيئًا . ربما إن أعطت لنفسها فرصة في التقرّب منها لن تندم ، ولكنها فضلت الابتعاد حتى الآن .
نهضت وغادرت المطبخ فورًا وكأنها تهرب من الإجابة ، أما ملاك فقد هدأت نفسها قليلًا وتأكدت من تأثير كلم*اتها عليها وأن علاقتهم ربما تصبح جيدة قريبًا جدًا .

***
غابت الشمس وحل محلها ضوء القمر الذي ارتفع في السماء . وبينما هي جالسة على في الهواء الطلق على مقعد وثير يتسع لثلاث أشخاص وتتأمل النجوم الساهرة ، شعرت به يجلس بجوراها يلف ذراعه حول كتفها ضامًا أياها متمتمًا بمشاكسته المعتادة :
_ نفسي أهم إيه حبك في إنك تقعدي تتأملي في النجوم والسما كدا

طالعتها بستخفاف وغمغمت بابتسامة امتزجت بالغرور والفخر :
_ ولا هتفهم ؛ لأن إيه فهمك إنت في التأمل والهدوء هما العقول المدبرة كدا ياحبيبي

_عقول مدبرة ! ، أممم قولتيلي !

قهقهت بشدة على طريقته واقتربت منه أكثر تسند رأسها على صدره بارتياحية أكثر وتغمغم بعفوية بعد أن لاحظت ملابسه :
_ إيه ده إنت لسا جاي ! ، أنا افتكرتك طلعت غيرت وبعدين نزلت

_ معلش بقى هي كدا العقول المدبرة مش فاضية تركز في اللي حاوليها !

لمست نبرة السخرية في صوته فازداد ضحكها أكثر ورفعت رأسها لتكون في مستواه وتترك لمستها الناعمة بشفتيها على وجنته فتقابل ابتسامتها الدافئة ، ثُم تعود تسند رأسها على صدرها وتمد يدها تلك المرة لتعبث بلحيته المغرية بالنسبة لها ، فإن سؤلت ما أكثر شيء تعشيقه في شكله ستجيب بدون تردد لحيته ! . ساد الصمت بينهما لدقائق طويلة حتى قكعته هي برزانة :
_ حكيلي يا أُسيد عن مراتك الله يرحمها ، يعني إزاي اتعرفتوا حياتكم كانت إزاي ، عايزة أعرف تفاصيل أكتر

قطب حاجبيه باستغراب وتمتم بريبة :
_ وإيه اللي خلاكي تقولي كدا يعني ؟!

_ عادي يا أُسيد يعني أهو بندردش وبصراحة عندي فضول أعرف كل حاجة عن الإنسانة اللي كان عندك استعداد تكمل حياتك كلها مخلص ليها ومتفكرش في الجواز ، أو اللي خلتك تحبها للدرجة دي

أخذ نفسًا عميقًا بشجن حين ذكرته بها ، مازال حتى الآن كلما يتذكرها ينفتح جرح قلبه مرة أخرى . كانت مثال للزوجة الصالحة بالفعل في كل شيء ، كانت لا تعصي له أمرًا ، تتجنب غضبه وضيقه منها كمن يتجنب الوقوع في الهاوية ، لم يذكر أنها في أحدي المرات رفعت نبرة صوتها عليه ، حتى في غضبها كانت رقيقة وحانية ! .
تنهد بأسى وتمتم بنبرة مريرة :
_ كان تعارفنا تقليدي جدًا وقتها أنا مكنتش بفكر في الجواز نهائي بس بابا الله يرحمه هو اللي صمم إني أتجوز وهي كانت واحد معرفة لبابا فقالي عليها وكان الموضوع عادي جدًا روحنا وعملنا الرؤية الشرعية وعجبتني وبعديها تم الموضوع بسهولة ومن فترة الخطوبة وأنا ابتديت أتعلق بيها لما كنت بتعرف عليها وحدة وحدة وبعد الجواز طبعًا اللي ابتدت علاقتنا تاخد مجرى تاني زي أي أتنين متجوزين بجواز صالونات زي مابيقولوا ، يعني مفيش حاجة مثيرة في حياتنا كانت أو مشوفة

صمتت لبرهة من الوقت ثم قالت بترقب :
_ يعني لسا بتحبها ؟

كانت إجابته سريعة بدون تردد يجيب بصراحته المألوفة :
_ طبعًا

_ وأنا ؟

رأت الابتسامة الساحرة تشق طريقها إلى ثغره ، حتى في غيرتها ، ليس غيرة أنثى ناضجة بل غيرة طفلة . انحنى وقبّل جبينها ويده أتخذت طريقًا من الخلف تمرر أصابعها على وجنتها وسط همسه الرائع :
_ إنتي حاجة مختلفة ياملاك ، مش معني إني لحد الآن مش قادر أنسى مريم ولسا بحبها يبقى مش بحبك ، إنتي كنتي زي الملاك فعلًا اللي ربنا بعتهولي علشان يداويلي جروحي وعوضنا احنا الأتنين عن اللي شوفناه ببعض ، بمعني أصح احنا بقينا زي اللي عايشين بقلب واحد لا أدإنتي تقدري تبعدي عني ولا أنا أقدر أبعد عنك . مش عايزك تفكري أو تشكي في حبي ليكي

ضحك رغم عنه عندما سمعها تهتف بخزي وخوف :
_ يعني إنت مش ممكن في يوم تتغير وتبقى زي أكرم ؟!

أردف من بين ضحكاته :
_ إنتي سمعتيني أنا قولت إيه ! ، طاب أنا راضي ضميرك ده منظر واحد ممكن في يوم يبقى زي المخفي ده أو على الأقل في تعامله مش يمد إيده عليكي ، أتقي الله ياملاك ده أنا مبيهونش عليا أنيّمك زعلانة مني

بادلته الضحك مهمهمة برقة مغرية :
_ خلاص معلش متزعلش

تصنع الضيق والغضب وتمتم بمكر دفين :
_ لا أزعل طبعًا ، صالحيني يلا

وثبت واقف من مكانها وقالت وهي تسحبه من يده :
_ بس كده من عنيا ، تعالى ده أنا عاملة بسبوـ,,ــــسة النهردا الصبح تاكل صوابعك وراها !

رأت ضحكته الرجولية تتأجج بقوة :
_ هتصالحيني ببسبوـ,,ــــسة !

_ أنت تطول أصلًا تاكل من البسبوـ,,ــــسة بتعتي !

هب واقفًا وهو يجيب مبتسمًا :
_ مرة تورتة ومرة بسبوـ,,ــــسة هفتحلك محل حلويات أنا بعد كدا !

***
أجابت على الهاتف بعفوية شديدة تلقي السلام مصاحب معه سؤالها بـ ” من ” ، فتصيبها الدهشة حين سمعت صوته الرجولي التي لم تنساه منذ أول مرة تقابلا فيها :
_ أنا ريان يازمردة ، عاملة إيه دلوقتي ؟

تحنحنت بارتباك وغمغمت بصوت مبحوح :
_ كويسة الحمدلله ياريان ، حكيت لمروان اللي حصل وطبعًا زي ما اتوقعت أتعصب عليا وكان عايز يروح لأكرم لولا إني قولتله أنه في السجـ,,ــــن دلوقتي ، ومنعني من الخروج من البيت ألا معاه

تمتم بنبرة هادئة في ابتسامة :
_ طاب زين !

وجدت نفسها تندفع به في غيظ :
_ زين إيه ياريان ، ده أنا هقعد تحت رحمة وقته يا فضيلي يا لا

اتسعت ابتسامة بقوة فوجدها تكمل بعذوبة وحبٌ صافي :
_ أنا طبيعي هاجي بكرة مع مروان علشان كتب كتاب مراد وسارة ، أهو نحاول نفرحها شوية لما نبقى جمبها

_ أيوة هي محتاجة ده جدًا دلوقتي فعلًا يازمردة

قالت بحماس جلي وخبـ,,ــــث واضح :
_ طيب مانعملّها مفاجأة ، يعني مثلًا بكرة كتب الكتاب وكله تمام وبعدين مراد ياخدها ويروح بيها بيته وأنت أتفق معاه تعملوا فرح من غير م*اتعرف وظبطوا كل حاجة في السر وموضوع الفستان والجزمة والحجات دي سيبهالي أنا وملاك هنتكفل بيها ، يعني بحيث أن الفرح نعمله بعد كتب الكتاب على الأقل بيومين وبكدا هي هتفرح جدًا والله وفي نفس الوقت مش هنبقى حرمناها من فرحة لبس الفستان والفرح وأنها تبقى عروسة ، فاهمني ؟

أعجبته فكرتها بشدة ، لم يتوقع أنها تفكر بالجميع هكذا ، اكتشف أنها ذو قلب حنون لا تختلف عن أخيها بشيء أو عن ملاك . كلما يتذكر ما فعله بها يلوم نفسه أشد اللوم ، وبرغم كل هذا نسيت ماحدث وكأن لا شيء حدث بينهم .
أجاب بنبرة ناعمة وجميلة :
_ فاهمك يازمردة هي فكرة جميلة جدًا ، خلاص بكرة لما تاجي بإذن الله نتفق ونشوف هنعمل إيه

_ تمام أشوفك بكرة بقى ، مع السلامة

ودعها وأنهي الاتصال مبتسمًا بعذوبة ، كان من البداية ينوى الاتصال بها للأطمئنان عليها فقط في حوار لا يتعدى الدقيقة ولكن أخذ الحديث مجراه وتعدى الدقيقة بكثير ، ووجد لسانه هو من يجاريها في الحديث وحين أنهته بقولها ” مع السلامة ” كان يود أن يقول لها ” انتظري قليلًا فأنا لا أريد إنهاء الحديث ” ، ولكن لم يكن عساه سوى قول ” مع السلامة ” مثلها .

***
تتابعه وهو يمسك بالصحن على يديه ويتناول ما بداخله في نهم وتلذذ ، وجدته يمد الشوكة إلى فمها ، ففتحته وتناولت ما فوقها لتستقبل تغازله الصريح بها في لؤم :
_ بسبوـ,,ــــسة بتاكل بسبوـ,,ــــسة ياناس !

وقفت قطعة ” البسبوـ,,ــــسة ” التي تناولتها في فمها وتحولت إلى بندورة طماطم يكاد الدم ينبجي من خديها ، وفي ظرف ثوانٍ بدأت تسعل بقوة فناولها الماء وهو يضحك قائلًا :
_ طلعتي بتتكسفي أهو يعني ده أنا قولت إنتي بقيتي عديمة مشاعر ومعندكيش دم من ساعة ما أخدتي عليا !

ضر*بته على ذراعه بقوة وهي مستمرة في السعال فيخرج صوتها المبحوح :
_ أخرص ، هات ده كدا

همت بأن تسحب الصحن من يده فأحكم هو الق*بض عليه قائلًا بحدة مزيفة :
_ اقعدي مكانك يابت !

_ يارب بجيلك تلوث في معدتك !

فغر عيناه بدهشة وترك الصحن بجواره ؛ ليقترب منها كحيوان مفترس يتربص لفريسته ؛ فتراجعت هي للخلف على الفراش بخوف بسيط ، ظل يقترب وهي ترجع برأسها للخلف حتى أسندتها على الفراش فتسمع همسه المدهوش :
_ يارب إيه ؟

أدركت نفسها وقالت بابتسامة بلهاء في رقة أنوثية :
_ يارب تروح الجنة

_ يارب ياختي ، أيوة كدا اتعدلي بس لازم تتعاقبي

لمست نبرة اللؤم في جملته الأخيرة فكان رد فعلها أسرع حيث جذبت الوسادة الناعمة ووضعتها على وجهها تتفادى أي تصرف منحط منه ، فسمعت صوت ضحكه وهو يحاول إبعاد الوسادة وهي تصرخ به متوسلة :
_ خلاص يا أُسيد بالله عليك هحترم نفسي بعد كدا صدقني

بأصرار تام ولهجة لا تقبل النقاش وسط ضحكاته الساخرة :
_ ولو لازم تتعاقبي أنا نويت خلاص ياحبيبتي

وسط محاولات فاشلة منها في بداية الأمر لكي تتفاده وصوت ضحكها مرتفع لكل من يمر بجانب غرفتهم ، ولكن في النهاية خضغت قوتها له واستسلمت بارهاق .

***
في مساء اليوم التالي الذي كان بشرة لبداية حياة جديدة لأحدهم ، حيث أتم عقد قرآن مراد وسارة وأصبحت زوجته شرعي وعلى سنة الله ورسوله ، عزم على أن يخرجها من ظلامها وسيفعل ، سيشعرها دائمًا بوجوده ، ستكون أميرته وطفلته سيُدللها كما لو أن الله رزقه بابنة . ما مرت به شيء وما ستعده في عصر زوجها شيء لم يخطر على بالها حتى ! .
كان الجميع يرتص حول مائدة ضخمة أتسعت لهم في حديقة المنزل وكان هو يجلس بجوارها متعمدًا لف ذراعه حول كتفها ؛ لكي يشعرها بالأمان بقربه وبالفعل نجح في جعل ذلك الشعور يتسرب في خلاياها ، ولكنها كانت ساكنة تمامًا بين ذراعيه تقلب عيناها بينهم جميعًا وتُتابع حديثهم وضحكهم بجمود . سرت قشعريرة بجسدها حين شعرت بأنفاسه الدافئة تلفح أذنها وهو يهمس بحنو :
_ لو تعبتي ياسارة قومي نروح يلا ؟

أكتفت بهز رأسها بالرفض دون أن تنظر له حتى ؛ نتيجة لخجلها منه ، قلبه يدق بعنــ,,ـــــف كلما تسمع صوته الذي يضر*ب في أذنها كالرعد وهو يضحك ويبادلهم الأحاديث ، لم يكن خوف منه قط بل كان خجل فطالما تخليته كصديق وابن عم فقط لم تتخيله كزوج ، دائمًا كانت تنظر له على أنه أخيها ، سوى في الفترات الأخيرة تغيرت نظرتها له وبدأت مشاعرها تتحرك ولكن أيضًا لم يصل عقلها إلى حد التخيل به كزوجها ، والحقيقة الآن أنه زوجها بالفعل وتجلس بين ذراعيه أمام الجميع . تعرف أنها لم تندم على موافقتها ولكن ما سيحزنها أنها لربما تشعر بالشفقة منه تجاهها .
أقترب أحد الحراس من ريان وانحنى إلى أنه يهمس بنبرة جادة :
_ معتز برا يا ريان بيه ومصمم يشوفك إنت وأُسيد بيه وبيقولي لو مطلعتوش هيدخل ومش هيحصل طيب

السابقانت في الصفحة 1 من 7 صفحات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
0