اشلاء القلوب 5

(( أشلاء القلوب ))

_ الفصل السابع والثلاثون _ ( الأخير )

طالعته بصمت قاتل للحظات ثم تفوهت بها بقسوة جعلته ينصدم :
_ مش موافقة ياريان

في الواقع لم تكن صدمته بقدر تقبله للوضع فهو كان يضع احتمال ولو واحد قي المئة أنها سترفض ، فتنهد بخزي وهز رأسه بتفهم ثم هم بأن يحرك محركات السيارة حتى يذهب ويصلها إلى منزلها ، أما هي فتطلعت إليه مبتسمة ثم قالت برقة :
_ هو عشان أكون صريحة أكتر أنا مش موافقة في حالة واحدة بس !

أبعد يده عن محرك السيارة والتفت ينظر لها بتشويق لمعرفة ماهو هذا السبب فهتفت هي برزانة :
_ لو إنت عملت كدا وجبت نهلة عشان ترضيني وتخليني أوافق مش عشان تاخد حق أخوك

تنهد بارتياح أن ذلك الشرط كان هذا وتفرش ملامحها ثم قال بنبرة رجولية لا تحمل المزح :
_ أنا لما مسكت نهلة وجبتها كان السبب الأساسي في كدا إني أخد خث أخويا اللي قطعت وعد على نفسي من ساعة ما عرفت إني أخد حقه والسبب التاني عشان أوفي بوعدي ليكي لما قولتلك همسكها وهجيبك تشوفيها وتعملي فيها اللي إنتي عايزاه

رأت في عيناه الصدق فغضت نظرها عنه وصمتت لبرهة من الوقت ثم قالت في رقة :
_ تمام وأنا بلغي الكلام اللي قولته من شوية وبقولك موافقة ياريان بيه

لاحت على ثغره ابتسامة رائعة وهو يتطلع لها بعـ,,ــــشق ، دام تأمله لها لحظات طويلة حتى قالت وهي تشير بعيناها إلى المقود قائلة في نعومة :
_ هنقعد هنا كتير ولا إيه ؟!

أظهر عن أسنانه البيضاء ثم اعتدل في جلسته وحرك محرك السيارة لينطلق بها ، وهي تخطف نظرات إليه بابتسامة واسعة كلما تتذكر ملامح وجهه عندما قالت أنها موافقة وكيف كان يحدق بها مبتسمًا ببلاهة ، قطعت الصمت الذي بينهما قائلة في جدية :
_ أبقى روح قول لمروان إني قولتلك إني موافقة عشان سعتها تبقى بوظت كل حاجة

قال ضاحكًا :
_ وهو حد قالك إني غبي للدرجة دي ! ، ده أنا هتصل بيه بكرة وهسأله ردت عليك بإيه ست الحسن وكأني معرفش حاجة لا وهفرح كمان كأني أول مرة أسمع منه ده

أجابت بضحك :
_ طيب كويس استمر على كدا !

***
في المساء كانت تقف في المطبخ تقوم بتحضير الطعام بينما هو بالخارج كان يتحدث مع ليلى وعند انتهاء حديثهم أخبرته بأنها في المطبخ فذهب لها فورًا وتسلل من خلفها ببطء وحذر ثم صاح من خلفها قائلًا :
_ أسمى !

انتفضت واقفة والتفتت له فورًا وصرخت به منفعلة :
_ إيه يامروان الجنان ده وبعدين إنت إمتى جيت أساسًا ومقولتليش ليه ؟

استدار وهو يستعد للرحيل هاتفًا مبتسمًا :
_ أمشي يعني تاني !

ق*بضت على يده وهمهمت بحياء في رقة أنوثية :
_ لا متمشيش ، وحشتني !

قال شبه ضاحكًا :
_ إيه الكدب ده هتروحي فين من ربنا ، ده احنا لسا كنا الصبح مع بعض لحقت أوحشك يافشارة

قال في براءة جميلة :
_ على فكرة بتكلم جد !

نظر خلفه ليتأكد من عدم وجود أحد ثم مد يده إلى خصرها وجذبها إليه هامسًا بلؤم :
_ أثبتي طيب !

_ مروان في إيه الله أبعد !

قالتها باستحياء شديد وقد تحمرت وجنتيها أما هو فقال بخبـ,,ــــث أكثر :
_ مش قبل ما تثبتي صحة كلامك

نظرت له بخبـ,,ــــث وقالت بتحذير :
_ مروان !

_ يلا أنا مستني وريني هتثبتيلي إزاي إني وحشتك

ابتسمت بمكر ثم صاحت فجأة :
_ ياماما

وضع يده على فمها في اغتياظ فزاحت يده وقالت في تشفي ضاحكة :
_ إيه إنت مش عايزني أثبتلك أديني بثبتلك أهو

تركها ثم قال بغرور :
_ طيب براحتك كنت ناوي أقولك على المفاجأة اللي أنا جيت عشانها بس واضح إنك ملكيش في الطيب نصيب

_ مفاجأة إيه ؟!

قالتها بحماس فأشار هو إلى وجنته بنظرات شيطانية فزفرت قائلة بتوعد :
_ ماشي يامروان بس لو طلعت بتضحك عليا ومفيش مفاجأة ولا حاجة هخنقك

جلس على المقعد بافتخار منتظر قدومها لتقبله من وجنته ، ليحصل على نوياه الخبيثة التي كانت هي تعلمها جيدًا وتأخذ حذرها عندما اقتربت منه وبمجرد أن لامست شفتيها جلد وجنته وجدته يلتفت لها فورًا لكي يلتقط هذين الشفتين فابتعدت وقالت في مكر :
_ مش أنا اللي يتضحك عليا ياحبيبي ، فاكرني هبلة !

قال في نبرة شبه مغتاظة :
_ لا إنتي خنتي الاتفاق كدا !

ابتسمت ساخرة وهي تقول بضحك :
_ ده على أساس إن إنت طلعت شريف أوي يعني ، ما أنت طلعت سافل ونواياك زبالة بس على مين ! ، اخلص يلا قولي المفاجأة

قهقه بقوة على هذه المجنونة التي لا تختلف عنه وأخرج من جيبه تذكرتين لرحلة إلى لندن هاتفًا في حنان :
_ جهزي نفسك بقى بعد الفرح عشان هناخد شهر العسل في لندن

تطلعت إلى التذاكر وإليه بذهول للحظات حاى قالت بعدم تصديق :
_ قول والله بتتكلم جد يا مروان

_ والله بتكلم جد ياسمسمتي !

أظهرت عن صف أسنانها البيضاء في سعادة غامرة وبتلقائية كانت تنحني إليه معانقة إياه في عـ,,ــــشق هاتفة :
_ أنا بحبك أوي يامروان !

تشبت بها ود*فن وجهه بين ثنايا عنقها هامسًا بهيام :
_ وأنا كمان ياروح مروان

***
عاد إلى المنزل بعد يوم شاق وطويل في العمل وهو لا يشتطيع حتى الوقوف على قدمه من فرط إرهاقه فنزع حذائه عنه وألقى بجسده على الأريكة المقابلة لباب المنزل فورًا مغمضًا عيناه في تعب ، مر دقائق طويلة ولم يسمع لزوجته أي صوت فاعتقد في بداية الأمر أنها نائمة فهب واقفًا واتجه نحو غرفته ليتسطح بجوارها ويأخذ هو الآخر حصته من النوم والراحة ، ولكن لم يجدها فقطب حاجبه باستغراب وصاح مناديًا عليها :
_ ملاك

فلم يجد منها رد فتسلل الخوف والقلق لقلبه واندفع خارج الغرفة يبحث عنها في المنزل فذهل بها ملقية على أرضية المطبخ فاقدة وعيها ، فتسنر مكانه لثواني ولكن سرعان ما أسرع إليها وحملها ثم أتجه بها نحو الغرفة ليضعها على الفراش ثم جلب عطره وقربه من أنفها ففتحت هي عيناها تدريجيًا وتطلعت له وصورته تملثت أمامها مشوشة حتى صوته الذي كان ياحدثها به قائلًا :
_ ملاك إنتي كويسة ياحبيبتي

استغرق الوقت لحظات طويلة حتى أدركت أن ما أمامها زوجها وأدركت كلامته فأجابت بصوت ضعيف :
_ كويسة يا أُسيد متقلقش

_ مقلقش إزاي !! ، حصل إيه معاكي

اعتدلت في جلستها قليلًا بعد أن استعادت أدراكها كاملًا وبعض من نشاطها وتمتمت :
_ معرفش والله أنا كنت بعمل الأكل عشان لنا تاجي ناكل مع بعض ومرة وحدة دوخت جامد وبعد كدا مش فاكرة حصل إيه

تنهد الصعداء بضيق ثم قال :
_ بتاكلي اللي قالتلك عليه الدكتورة عشان الدوخة دي وعشان لو في أنيميا تروح

وقفت الكلم*ات في حلقها ولم تعرف بماذا تجيبه فإن أجابت بكلا فسوف تتعرض لبطش عنيف منه وإن قالت نعم فحتمًا سيكشف أمرها وسيعرف أنها كذبت عليه ، فلم تجد حلًا أفضل من الصمت الذي كان بمثابة قولها لا بالنسبة له فصرخ بها في اغتياظ :
_ وبعدين معاكي يعني !! ، هو إنتي طفل صغير مش عارف مصلحته ولا لازم أنا اللي آجي وأقولك كلي ده ومتكليش ده وأعملي ده ومتعمليش ده ، في إيه ياملاك !! مصممة تنرفزيني عليكي ليه ، أنا مش عارف إنتي باعية صحتك ولا بايعة أبنك ولا بايعة الأتنين مع بعض ، مش فاهم أنا في إيه معاكي !

أطرقت أرضًا بحزن وشجن ثم همست بصوت يغالبه البكاء :
_ يتزعقلي كدا ليه يا أُسيد !

أكمل صراخه بها في انفعال أشد :
_ المفروض أعملك إيه يعني ، ما أنا أتكلمت معاحي مليون مرة بالحسنة وحاولت أفهمك إن أهمالك ده هيوديكي في داهية ومفيش فايدة فيكي برضوا

غمغمت في أعين تجمعت بها الدموع :
_ حاضر يا أُسيد أنا آسفة

_ أممممم حاضر ، كلام بس من غير أفعال !

قالت وقت فرت من عيناها دمعة متمردة :
_ خلاص والله هعمل اللي هتقولي عليه من هنا ورايح ومش ههمل نفسي

زفر بخنق عندما رأى عبراتها فمهما كان غضبه منها فآخر شيء يريده أن يراه هو عبراتها فاقترب منها أكثر ومد يده ليمسح بأنامله عبراتها هامسًا بحنان :
_ دايما بتجبريني أتعصب عليكي وفي الآخر بتعيطي وإنتي عارفة إني مبستحملش دموعك ، إيه لزمته ده من الأول بس

نظرت له مبتسمة وقالت برقة :
_ أنا قولتهالك قبل كدا ، مبزعلش من عصبيتك عليا لما تكون خايف عليا أو أكون أنا اللي غلطانة ، ولما بعيط بعيط ؛ لإني بخاف منك وإنت متعصب وبخاف من صوتك بس مش أكتر من كدا

قالت آخر جملة بطفولية جعلته يقهقه بقوة ثم يجيبها بنعومة :
_ طيب بما إنك بتخافي من عصبيتي بقى يبقى متخلنيش أتعصب سواء كان بسبب خوفي عليكي أو بسبب أي حاجة تاني

أماءت له بالموافقة في حب فوجدته يمد يده ليضعها على أحشائها هامسًا في سعادة نابعة من أعماق قلبه :
_ واضح إن القرد ده هيتعبك ويتعبني معاه لغاية ما ياجي ، بس مش مشكله تعبه راحة طلاما هياجي بصحة وسلامة إن شاء الله وإنتي تقوميلي بسلامة

_ إن شاء الله

***
في صباح اليوم التالي …..

كان كل من سارة وزمردة وأسمى بتسوقون لشراء بعض التجهيزات لزفاف كل منهم وسارة تساعدهم في هذا ، وفور انتهائهم ، جلسوا في أحد المقاهي ليأخذوا قسطًا من الراحة ، وبينما كانت أسمى تشارك زمردة في الكلام كانت سارة في عالم آخر لا تشعر بأي شيء يقولونه ، فنظرت أسمى إلى زمردة بنظرة فهمتها ثم نهضت من جانبهم وذهبا في منطقة بعيدة عن أنظارهم وأجرت اتصال بأخيها .
أجاب على الهاتف في عجلة قائلًا :
_ أيوة يا أسمى في إيه ؟!

_ إنت فين يا مراد ؟

_ في الشركة ، ليه ؟!

ألقت نظرة إلى سارة ثم قالت في هدوء تام :
_ طيب تعالى خدني أنا بشتري شوية حجات في السوق

قال في جدية :
_ إنتي وحدك ولا معاكي حد

_ أنا وزمردة بس

هتف على عجلة من أمره :
_ طيب اتصلي بمروان خليه ياجي ياخدكم أو خدوا تاكسي يا أسمى أنا مش فاضي

أجابته في توسل مخترعة بعض الحجج :
_ مروان اتصلت بيه وقالي مش فاضي برضوا خالص ، والصراحة أنا وزمردة صرفنا كل الفلوس ومعناش حتى فلوس نركب بيها تاكسي ومش هينفع نركب مواصلات واحنا معانا كل الشيل دي ، تعالى يلا يامراد

زفر زفيرًا حارًا بنفاذ صبر قبل أن يقول :
_ ماشي يا أسمى جايلكم

ابتسمت في انتصار هاتفة :
_ تمام يلا مستنينك

عادت لهم من جديد وهي تتطلع لزمردة بابتسامة فهمت عي معناها وواصلوا التحدث حتى قدومه وعندما لمحت أسمى سيارته تقف أمام المقهي هبت واقفة فورًا وقالت :
_ أنا هروح الحمام تعالى معايا يازمردة ، مش هنتأخر يا سارة

أماءت لهم بموافقة في سكون واستمرت في التحديق أمامها بشرود حتى سمعت صوته بعد دقائق بقول :
_ بتعملي إيه هنا ؟!

نظرت له فورًا وتطلعت حولها في عدم فهم لما يحدث ثم طرحت عليه نفس السؤال في خفوت :
_ إنت اللي بتعمل إيه هنا ؟!

لوى فمه بانزعاج ثم جلس على المقعد المقابل لها وأردف بصوت رجولي حازم :
_ أسمى وزمردة فين أمال ؟

ران الصمت عليها للحظات حتى استطاعت فهم الأمر وتوعدت لهم بداخلها ثم قالت بامتعاض :
_ أسمى قالت هروح الحمام وأخدت زمردة معاها بس بعد ما شوفتك أشك في إنها عايزة تروح الحمام فعلًا

فهم هو الآخر ما ترمي إليه وبقى جالسًا في صمت ينتظر قدومهم ، فلم يتمكن من الصمود أمامها وقال قاصدًا إثارة سخطها :
_ أعملي حسابك بعد فرح أسمى هتوصلك ورقة طلاقك وكل حاجة هتخلص زي ما بدأت

لاحت ابتسامة مريرة على محياها وهي تقول :
_ للدرجة دي بايعني ومش فارقة معاك

قال بقسوة أتقن تمثيلها :
_ مش ده قرارك وطلبك ! ، ثم إني مش أنا اللي مش فارق معايا ده إنتي اللي لا فارق معاكي أنا ولا إنتي ولا علاقتنا ولا حياتنا ولا أي حاجة

هبت واقفة وقالت باكية :
_ صح عندك حق إنت مش فارق معايا أنا اللي فارق معايا بس حاليًا هو أنا وابني اللي جاي

هب هو الآخر واقفًا وق*بض على ذراعها هاتفًا في صوت رجولي حازم وقوي :
_ ابنك إزاي يعني ؟!!

دفعت يده عنها وقالت في نظرة قوية :
_ زي ما سمعت كدا أنا حامل يامراد

قالت جملتها الآخيرة ورحلت فورًا تاركة إياه في صدمته ، حتى أنها لم تترك له فرصة يُعبّر لها عن سعادته بهذا الخبر حتى وإن كان قيل في معاد ليس مناسب ، أما على الجهة الأخرى قالت زمردة ساخرة :
_ فالحة ياختي جيتي تعدليها نيلَّتيها أكتر ، أنا هروح الحق سارة وإنتي شوفي مراد

أماءت له موافقة في يأس .. اندفعت الأخرى خلف سارة وأوقفتها قائلة :
_ سارة رايحة فين كدا بس استنى هنمشي مع بعض

صاحت به في غضب وبكاء :
_ أنا مش همشي مع مراد يا زمردة فاهمة

_ طيب طيب مش هنمشي مع مراد وتعالي أنا وإنتي نمشي ونروح البيت عندينا لغاية ما ياجي ريان بليل وياخدك عشان يوديكي البيت

صمتت كدليل على موافقتها فطلبت منها زمردة أن تنتظرها حتى تجلب أشيائها وعندما ذهبت لهم وجدته يقول لها باهتمام :
_ فينها ؟!

_ مستنياني برا صممت إنها مش هتمشي معانا لو هنمشي معاك فهاخدها ونروح بيتنا لغاية ما ياجي ريان بليل ، وإنت ما شاء الله عليك بدل ما تعدلها خربتها أكتر زي أختك

قالت آخر جملة وهرولت لها تاركة إياه نادمًا على ما قاله ربما إن كان حاول هذه المرة معها لكانت سامحته ولكنه جعل الأمور أكثر تعقيدًا كما قالت …..

***
غابت الشمس وارتفع ضوء القمر في الأرجاء وسكون تام يعم على البعض ، لا لم يمن سمون بل شجون وأحزان تجعلهم في حالة صدمة لا يفعلون شيء سوى النظر والمتابعة في صمت .
أجابت زمردة على الهاتف بتلهف قائلة في رقة :
_ أيوة ياريان فينك ده كله

_ هي سارة صاحية ولا نامت

أجابته في ضيق :
_ صاحية بس قاعدة في الأوضة وساكتة كالعادة والله أنا مبقتش عارفة في إيه ياريان ده أنا قعدت ساعة احاول أعرف منها حصل إيه بينها وبين مراد مش عايزة تقولي كل اللي بتقوله إنهم اتخانقوا وخلاص

قال في استياء بسيط بعد أن تذكر ما قاله له مراد وما أخبره به عندما احتجزه في مكتبه بالشركة ولم يتركه يذهب إلا عندما يخبره بكل شيء وماسبب شجارهم فأخبره ، وكيف كانت ردة فعله في البداية عنيفة معه ولكن هدأت تدريجيًا عندما أحس أنه صادق في قوله أنه نادم على ما فعل وذلك الأمر كان منذ فترة طويلة ومضت ، ولكنه قال أنه لن يتدخل بينهم وإن ظلت شقيقته مصرة على أمر الطلاق فسيطلقها فورًا وإلا سينال عقابه منه هو :
_ سبيها يازمردة متتعبيش نفسك معاها مش هتقولك ، خليهم يحلوا مشاكلهم مع بعض

قالت في خفوت :
_ طيب إنت مش هتاجي تاخدها ولا إيه ؟!

_ جاي هلبس دلوقاي وهاجي ، المهم قوليلي قولتي إيه لمروان لما سألك

ضحكت بخفة قائلة :
_ إنت مصمم تفكرني بكدبي عليه !

بادلها الضحك هاتفًا :
_ لا حابب أعرف بس قولتيلوا إيه ؟

_ يعني عملت نفسي إني موافقة كدا والسلام عشان بس خالتي هي اللي قعدت تزن عليا ووافقي ومعرفش إيه ، لا وقولتلوا موافقة من غير نفس كأن حد غاصبني على كدا

تأججت ضحكته الرجولية وهتف بمداعبة :
_ ياااه بتخيل مروان هيعمل إيه لو عرف الفيلم ده

قالت بمكر في شجاعة :
_ مش عيعملي حاجة لإن هقول ريان هو اللي خطط مش أنا وأنا مليش دعوة بالموضوع

أردفي في دهشة مزيفة بابتسامة واسعة :
_ الله ، بعتيني عند أول محطة كدا !

_ أمال إنت فاكر إيه ، نفسي نفسي

قال متوعدًا في خبـ,,ــــث :
_ طيب ياسكر هنشوف نفسك دي بعدين هتقول إيه

ارتفعت صوت ضحكاتها ثم أنهت معه الاتصال وشرع هو في ارتداء ملابسه ……

***
دخلت إلى الغرفة بعد أن أنهت كل شيء فوجدته نائم في الفراش بسكون جميل ، اقتربت منه وجلست بجواره على الفراش تتأمله بعـ,,ــــشق زارف ، متذكرة كيف كان شعورها عندما رأته أول مرة في منزل أكرم ، كيف كانت قلقة وخائفة منه وكانت متشبتة بريان كأنه الدرع الحامي لها منه ، شعورها وجسدها الذي مان ينتفض من الخوف عندما بقيت معه في السيارة وثم نزلت أمام منزلهم ورفض ذهابها في الليل بمفردها . زواجه منها الذي كان بالفعل يثير اهتمام أي شخص ، رجلًا زوجته توفت من وقت قريب ويشرع بالزواج بأخرى ، وما يثير أكثر أنه كان يعـ,,ــــشقها حد الجنون ، ولكنه تناسي هذا وقرر الزواج منها بهدف حمايتها ، كانت تتوقع بكل سهولة أن معاملته ستكون قاسية لها بما إنها وافقت على الزواج منه وهي تعرف أنه لا يحبها ولكنه أظهر لها العكس ، من أفعاله معها وطريقته اللطيفة والحنونة في تعامله معها جعلتها تشك بأنه يحبها ، ربما كان هذا هو السبب الذي دفعها لحبه والذي جعلها تعـ,,ــــشقه .. معاملته الطيبة برغم كل شيء ، ولكنها نجحت في النهاية بأن تجعله عاشقًا لها ، أن تخضعه لحبها وتتولى عرش قلبه ، نجحت في أن تجمع باقيا وأشلاء قلبها الممزق مع أشلاء قلبه الممزقة ليشكلوا قلبًا جديدًا يحمل روحين إن انفصلا عن بعضهم حتمًا أحدهم سيموـ,,ــــت ! .
مدت يدها الرقيقة تخللها بين خصلات شعره السوداء فتنحرف يدها لتسير في طريقها على وجنته ثم أخيرًا تستقر في مكانها المفضل ، لحيته ، حيث أخذت تعبث بها كما تعبث بشعره برفق كي لا توقظه ، متطلعة إلى ملامحه الهادئة . فابتسمت رغمًا عنها عندما همست نفسها ” ليتك تبقى هادئًا هكذا دومًا دون غضبك الذي يجعلك كوحش فُتحَ له القفص فانطلق على الجميع بدون رحمة ”
انحنت وتسطخت بجواره واضعة رأسها على صدر مغمضة عيناها باسترخاء ، احس بس عندما أنضمت لأحضانه ففتح نصف عينه ولف ذراعه حولها يضمها أكثر متمتمًا بصوت منخفض :
_ إنتي لسا صاحية !

أجابته بتلقائية :
_ خلصت اللي ورايا وهنام

فتح عيناه جيدًا وقال بحدة :
_ هو إيه اللي وراكي ده ؟!

لوت فمها باغتياظ من لسانها الذي تحدث وقالت في ابتسامة واسعة :
_ أصل إنت بعد ما نمت أنا قعدت أسمع فيلم على التلفزيون ولما خلص جيت أنام

_ ياسلام !

صمتت ولم تجيبه فقال هو مغتاظًا :
_ إنتي فكراني عبيط يعني ، كنتي بتعملي إيه في المطبخ الزفت ده بليل ، إنتي مبتعرفيش تقعدي مكانك خالص

ابتعدت عنه وطالعته بقرف قائلة في خنق :
_ تصدق أنا غلطانة إني جيت جمبك أصلًا ، ياخي ده أنا مبقتش أقعد معاك في مكان إلا وتزعق وتشبعني بكلامك العسل ده ، إنت شكلك متغاظ مني أكمني حارقة دمك علطول ولقيت الحمل حجة أي حاجة أعملها تزعق معايا ، شوية كمان ولو قولتلك رايحة الحمام هتقولي أنا قولتلك إيه ياملاك يعني مبتسمعيش الكلام ليه وتقعد تسمعني نفس الاسطوانة

ارتفعت ضحكته الرجولية بقوة ثم أجابها باسمًا :
_ طيب وهو أنا زعقت دلوقتي !

قالت بسخرية :
_ لا أنا اللي زعقت ، أُسيد بلاش برود أنا سكتالك على فكرة من بدري ومستحملة عصبيتك عليا بس خلاص كفاية كدا ويارب أشوفك بتزعق فيا تاني

تحول وجهه فورًا وقال في نظرة قصفت الرعب في قلبها :
_ هتعملي إيه يعني لو زعقت !

انكمشت على نفسها وهزت أكتافها لأعلي قائلة في ابتسامة بلهاء وملامح توحي بخوفها :
_ ولا حاجة هقولك كمل زعيق تاني عادي ولا يهمك يا باشا ، ولو عايز تشتم كمان براحتك ، ده كان لساني ده يتقطع كدا قبل ما أرد واعترض على زعيقك ، أقولك حاجة كمل زعيق يلا إنت مش كنت بتزعق دلوقتي أنا أساسًا متربيتش واستاهل والله اسمع مني بس !

تحكم في نفسه بصعوبة شديدة في بداية الأمر ولكن فور انتهائها انفجر ضاحكًا بشدة فابتسمت هي على ضحكه بحب ثم وجدته يعيدها حيث كانت من جديد مقبلًا شعرها هامسًا في حنان امتزج بالمرح :
_ وأكمل زعيق ليه ياروحي ! ، إنتي آه مستفزة ومبتسمعيش الكلام بس خلاص أنا سلمت أمري لله وراضي بقضائه ، لإني واثق ميه في الميه إني عملت ذنب في حياتي خلاه يبتليني بيكي

قالت بحزن بسيط وهي تمط شفتيها للأمام :
_ كدا يا أُسيد !!

ضحك وقال في رزانة وحب :
_ ومين اللي فهمك إن الابتلاء وحش يا قلب أُسيد .. طيب ده إنتي احلى ابتلاء في حياتي ياسلام لو ربنا يبتليني كدا علطول

كالعتع مغتاظة وقالت :
_ لم نفسك هاا أنا فهمتك إنت قصدك كل شوية تتجوز وتلاقي وحدة شكل ، فهمتك أنا

طالعه بنفس نظرة القرف التي طالعته بها منذ قليل وقال وهو يفخض رأسها لأسفل كي تنام على صدره صامتة بدون كلام :
_ فهمتك إيه ، إنتي ولا فاهمة حاجة أساسًا وبتقولي نيلة على عينك ، اتخمدي نامي دايمًا حارقة دمي كدا

نظرت له ضاحكة بعد أن أخرجت لسانها لتثير غضبه وغيظه أكثر فطالعها مغتاظًا بالفعل فقهقهت بقول وقرصت وجنته بخفة هاتفة بنبرة ساحرة :
_ اللي يحبك يناكف فيك ياقلبي ! ، وأنا عشان بحبك بحب أناكف فيك وأغيظك فإنت خليك بارد كدا زي

حجب ابتسامته وقال بلهجة أمر :
_ نامي ياملاك !

طالعته بابتسامة طفولية جانبيه وهي تتلاعب بحواجبها فأرغمته على الابتسامة وهو مغلوب على أمره هامسًا بنفاذ صبر :
_ يارب رحمتك يارب ، استغفر الله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه . نامي يابنت الناس الله لا يسيئك أنا مش ناقص عبط على آخر الليل ، نامي ياحبيبتي نامي

تثاوبت أمامها ثم قالت بصوت يغالبه النعاس :
_ شوفت إنت راجل ممل أساسًا جبتلي النوم ارتحت كدا !

قال شاكرًا ربه :
_ جالك النوم ! ، الف حمد وشكر ليك يارب يلا بقى نامي

وضعت رأسها على صدره وأغمضت عيناها هامسة :
_ هنام عشان أنا تعبت بس مش عشان خاطرك يعني

_ طاب الحمدلله المهم تنامي وتريحيني

أغمض عيناه ليكمل نومه وكذلك هي غاصت في ثبات عميق .

***
مرت الأيام سريعًا حتى جاء يوم زفاف مروان وأسمى وكان الجميع منشغلًا بشيء معين منذ صباح اليوم وفي النساء كان الحميع يستعد للحفل ، وكان مراد في منزله يستعد ويرتدي حلته .
فتحت سارة باب المنزل بحرص وأغلقته ببطء شديد حتى لا يشعر بها ، فهي قررت أن تنهي ذلك الشجار الذي طال بعدما لقنته درسًا لن ينساه على كذبها عليها وأخفائه لحقيقة مثل هذه عنها . دخلت الغرفة فوجدته انتهى من تسريح شعره ويهم بارتداء ربطة العنق خاصته وحين التفت ليلتقطها تصلب بأرضه بذهول ولوهلة اعتقد أن عقله خيل له صورتها أمامه من فرط تفكيره بها ، ران الصمت بينهم لدقائق حتى قالت هي مبتسمة :
_ مالك متنح كدا ليه !

_ إنتي دخلتي إزاي وجيتي إمتى ومع مين !

قالها بصدمة فأجابت بعدما اتسعت ابتسامتها :
_ ده بيتي وأكيد معايا المفتاح يعني ، أما جيت إمتي فجيت دلوقتي ووحدي ، أصل أنا سألت مرات عمي في البيت قالتلي إنك هنا فركبت تاكسي وجيت

وجدته مازال يقف متسمرًا فانحنت لتلتقط ربطة العنق من على الفراش واقتربت منه ثم لفتها حول عنقه وبدأت بربطها وهو يطالعها بذهول وداخله يقسم أنه يتخيل ، فما يحدث أمامه ليس مقنعًا ولا طبيعيًا ، ماذا حدث لها لتتحدث معه هكذا بطبيعية وكأن كل شيء لم يكن ، فأغمض عينه في محاولة منه لكي يفيق من تخيله هذا ، وفتح عينه بعد لحظات على أمل أن تختفي صورتها من أمامه ولكنها مازالت واقفة تقوم بربطة العنق خاصته . فق*بض على ذراعها بقوة وقال :
_ هو في إيه ، أنا مش فاهم حاجة !؟

ابعدت يده بهدوء ثم قالت بصوت رخيم :
_ مفيش حاجة يا مراد أنا عرفاك مصدوم وده حقك ، بص هو أنا كنت فعلًا مصممة على الطلاق بس بعد ما روحت معاك عند ملاك واتكلمت أنا وهي ، يعني قالتلي كلام اقنعتني وهو إن مفيش حد مبيغلطش وإن إنت كمان سامحتني على غلطي ووقفت جمبي قصاد بابا وجدي وساعدتني في إني اتخطي الحالة اللي أنا كنت فيها وإن من واجبي حاليًا إن اسامحك وأقف جمبك كمان ، أما بقى أنا ليه مجيتش وقولتلك إني مسمحاك طولة المدة دي وسكت لإني كنت عايزة أربيك شوية لإنك خبيت عني حاجة زي كدا وسبتني أعرف وحدي ، وكنا في كل مرة بنقعد فيها مع بعض بنتخانق وأنا بفقد اعصابي وإنت كذلك زي آخر مرة مع أسمى وزمردة ، ودلوقتي قولت كفاية كدا عليك وجيت أقولك إني مسمحاك

تأملها مبتسمًا في عـ,,ــــشق زارف لدقائق في صمت حتى قالت وهي تلتفت لتذهب :
_ طيب واضح إن إنت زعلان ومش عايز ننهي الموضوع لم تحب بقى ننهيه أبقى قولي

ق*بض على ذراعها وجذبها له معانقًا إياها عناق حار في اشتياق ويستنشق رائحتها التي اشتاق لها ويقبل رأسها بحنان ثم د*فن رأسه بين ثنايا عنقها مغمضًا عيناه في عـ,,ــــشق هامسًا :
_ وحشتيني أوي ياسارة ، إنتي مش متخيلة أنا كنت إزاي في الشهر اللي عدى ده والله

غلغلت أصابعها بين خصلات شعره قائلة :
_ وأنا أصعب منك ، كنت ما بين مسمحاك وما بين مش قادرة أقولك لإني عايزة أقرص ودنك بس

_ ده إنتي تدخلي موسوعة جينس في القسوة ياشيخة ، تعبتيني وكرهتيني في حياتي وتقولي أقرص ودنك ، لما ده قرص أمال لو القطم بيبقى إزاي معاكي

قالت ضاحكة بعد أن ابتعدت عنه :
_ أكيد أصعب

انحنى وخطف قبلة صغيرة من شفتيها ثم وضع يده على أحشائها وقال مبتسمًا في سعادة :
_ يوم لما قولتيلي مدتنيش فرصة حتى أفرح بيه وكنت طول الفترة اللي فاتت قلقان عليكي وبخلي أسمى تسألك دايمًا وتعرف الأخبار وتاجي تقولي عشان أطمن ، وأنا اللي قولتلها تروح معاكي عند الدكتور عشان تاجي وتقولي قالك إيه وأعرف كل حاجة ، يعني أنا كنت في مرار والله وإنتي مش حاسة بيا

قالت في جفاء بسيط وتشفي :
_ عشان تتعلم متخبيش عني حاجة تاني مهما كانت

_ من ناحية أتعلمت فأنا اتعلمت فعلًا

اتسعت ابتسامتها وعادت مجددًا تعانقه لتخرج كل اشتياقها له في هذا العناق .

***
طرق الباب ثم دخل فوجدها تقف مبتسمة تنظر له بخجل وهي ترتدي فستان زفافها وأعلاه حجابها ، كم كانت جميلة ورقيقة كملكة جمال في نظره ، وجهها جميل وملامحها رقيقة لا تزينها سوى بعض مساحيق الجمال البسيطة . أطرقت أرضًا في استحياء وهي تراه يطول النظر إليها ويتأملها ، وأخيرًا بعد لحظات طويلة اقترب منها وأمسك برأسها ثم قبلها بنعومة هامسًا :
_ ربنا يخليكي ليا

رفعت نظرها له بأعين تسبح بها الدموع وبحركة تلقائية منها كانت تعانقه وتجيبه بنبرة لا تختلف عنه :
_ ويخليك ليا ياحبيبي

دام عناقهم لدقائق حتى ابتعد عنها وانسك وجهها بين كفيه وهمس في مرحه الذي اعتادت عليه :
_ إيه رأيك نسافر بكرا ولا بعده

_ بكرا إيه يامروان إنت مجنون ده ، هتسيب فرح أختك وتسافر

قال ضاحكًا :
_ عادي إيه يعني ورايا مأمورية

رمقته بطرف عيناه في لؤم ثم قالت :
_ خلاص روح قول لريان كدا وشوفه هيقولك إيه ، عشان ما شاء الله ريان حبيبي لسانه متبري منه

تلقصت عضلات وجهه وأجابها في خشونة في زمجرة :
_ ريان إيه ياعنيا !!؟

أجابت بتوتر شديد :
_ ريان صديق الطفولة يعني أصل إنت عارف أنا وريان متربين مع بعض فهتلاقينا فريّ شوية

_ لا ياحبيبتي فري دي عند الست الوالدة ، عندي أنا لا فريّ ولا مفرفرش كل حاجة بحدود بينك وبين ريان

انفجرت ضاحكة بقوة وقالت من بين ضحكاتها :
_ لا فريّ ولا إيه ؟!

_ ولا مفرفرش ، مش وقت ضحك دلوقتي فاهمة

قالها بجدية جاهدًا في إظهارها وهو يحاول إخفاء ابتسامته أردفت هي بإيجاب :
_ حاضر من هنا ورايح لا في فريّ ولا مفرفرش بيني وبين ريان حلو كدا

تشدق باسمًا في خبـ,,ــــث وهو يقترب منها :
_ أيوة كدا الله ينور ، يلا بقى عشان إنتي بتسمعي الكلام لازم أكافأك

تراجعت للخلف عندما فهمت نوياه كالعادة وقالت مغتاظة :
_ اتلم يامروان ويلا بينا !

زفر بانزعاج ملحوظ منها وقال بتوعد في نبرة جادة :
_ ماشي يا أسمى نوصل البيت بس ولو مكنش بالتراضي يبقى غصب عنك ، عشان أنا جبت جاز منك خلاص

كتمت ضحكتها واقتربت منه مجددًا وقالت بطفولية :
_ ياتي كميلة طاب والله سكر وإنت متعصب كدا ومتغاظ مني

طالعها مغتاظًا بانزعاج شامل فأكملت هي ضحكاتها المتسلية عليه ، فهي تعـ,,ــــشقه بجميع حالاته سواء غضب أو مرح أو وقاحة كعادته .

***
مر اليوم بسلام وسعادة على الجميع وبدأ يوم آخر لاستكمال مسيرة الارهاق الذي كانت بالأمس لتجهيز زفاف واليوم لتجهيز زفاف آخر وهو ريان وزمردة ، على الرغم من التعب الذي كان يسيطر على الجميع بما فيهم العروسين إلا أنه كان جو جميل مصحوب بالسعادة والأمل على الكل ، كان الكل يشارك في التجهيزات معادا ملاك الذي من أمس وهي في شجار دائم مع زوجها كالعادة لرفضه أن تتحرك من فراشها ، وملما يرون بعضهم البعض يقوم الشجار المعتاد بينهم ويعودون بعدها بساعات قليلة يحادـ,,ــــثون بعض بتلقائية وكأنه لم يحدث شيء ومن ثم يتشاـ,,ــــجرون مجددًا ! ، والوضع كان على هذه الوتيرة .
ولكن بعد كل هذا الارهاق انتهوا ومروا اليومان على خير والكل عاد إلى منزله براحة .
فتح ريان باب المنزل ثم ابتعد للجانب ليفسح لها الطريق بالمرور فدخلت هي أولًا ثم تبعها هو وأغلق الباب خلفه فالتفتت له فورًا بتوتر جلي عندما سمعت صوت غلق الباب وشعرت بدقات قلبها تتسارع بشدة حتى كاد يثب من ضلوعه ، فابتسم هو لها بهدوء لكي يطمأنها عندما أحس بتوترها واقترب منها ثم عانقها وهمس بمرح :
_ أخيرًا ، ياشيخة ده إنتي تعبتيني معاكي لغاية ما وافقتي

قالت ضاحكة وهي بين أحضانه :
_ كان لازم أقرفك وأخليك تلف حوالين نفسك عشان تعرف حجم الزمرد اللي معاك أمال إنت فاكر أي حد يشتري زمرد بسهولة

بادلها الضحك هاتفًا :
_ لا تصدقي عندك حق فعلًا ! ، وخصوصًا لو كان زمرد قمر كدا !

حاولت إخفاء خجلها بهمسها الجميل :
_ ميرسي جدًا أحرجتني والله

غمز بطرف عينه اليسار في مكر وتمتم :
_ لا حتى الآن مفيش أحراج نهائي

تهجمت ملامح وجهها وجمدت ملامحها بارتباك شديد فقهقه هو بقوة وغمغم :
_ مالك كدا ، هو أنا قولت حاجة عشان تتكسفي طيب ، لو قولتلك بخ هتتكسفي !

هنا تحولت من الجمود إلى الشراسة هاتفة باغتياظ :
_ بتتريق صح ، لا قول بتتريق يا ريان بيه

كان سيجيبها بلا ولكن وجدها تندفع مبتعدة منه نحو أحد الغرف فهرول خلفها وحملها على ذراعيه قائلًا بمرح امتزج بخبـ,,ــــث :
_ ورحمة الحاج والحجة ما إنتي رايحة مكان خلاص بقى بهزر ، ثم إنك رايحة فين كدا ؟! ، الطريق من هنا لحقتي تنسي أنا مش جبتك من كام يوم تتفرجي على الشقة

كان يتحدث وهي لا تقوى حتى على رفع عيناها في عيناه وتد*فن وجهها بين ثنايا صدره من التوتر والحياء ، وهو سائرًا بها نحو غرفتهم ثم دخل وأغلق الباب ……

***
بعد مرور شهور عديدة ….

كان كل من مراد وأسمى وزمردة وليلى وأُسيد في المستشفى ، وكأن الزمن يعيد نفسه مجددًا حيث كان يسير إيابًا وذهابًا برعب يخشي أن يحدث كما حدث مع زوجته السابقة في مثل ذلك اليوم عندما كانت ستلد طفلهم . شعر بيد أخيه توضع على كتفه هامسًا بهدوء يطمئنه :
_ اهدى يا أُسيد ، ملاك الحمدلله لما دخلت العمليات كانت زي الفل وهتخرج إن شاء الله كويسة هي والعيل

_ يارب يامراد يارب

كان الجميع في توتر لا يختلف عنه حتى استمعوا إلى صوت بكاء منبعث من الداخل ، كان بمثابة الأكسجين له حيث جعل روحه تضج بالروح والحياة من جديد ، وسرعان ما لاحت ابتسامة واسعة على محياه وكان الحميع يبتسم كذلك براحة ، ودقائق طويلة حتى خرج الطبيب من الغرفة وأخبرهم بسلامة كل من الطفل والأم فحمد وشكر ربه مرارًا وتكرارًا بسعادة ، وقاموا بنقل ملاك إلى غرفة عادية وكان أول من دخل هو أُسيد ليطمئن على زوجته وطفله وهم الباقية بالدخول فاستوقفتهم ليلى طالبة منهم أن يتركوا لهم القليل من الوقت بمفردهم .
دخل لها وتقدم نحوها ثم عانقها بفرح وقال :
_ حمدلله على سلامتك ياروح قلبي

بادلته العناق وقبل أن تتحدث وتسأل عن طفلها وجدت المنرضة تدلف به وتناوله إلى أبيه الذي حمله عنها ، كان شعور لا يمكن وصفه بالنسبة له وهو يحمل ابنه الذي لطالما انتظره لسنوات ، لوهلة أحس وكأنه يحلم وهو يتفرس ملامحه الجميلة والطفولية وهو نائم هكذا لا يصدر أي صوت ، ورغمًا عنه غامت عيناه بعبارات السعادة واحني رأسه ليطبع قبلة طويلة على جبينه ، وقد تغلغلت الدموع في عيناها هي كذلك عندما رأته في هذه السعادة وعيناه التي تهيمان بالدموع لأول مرة تراه فيها هكذا . اقترب وناولها إياه فضمته لصدرها وقبلته بحنان أمومي ثم رفعت نظرها له فرأت دمعة متمردة من عيناه فرت على وجنته فلم تتمكن هي الأخرى من الصمود أيضًا وضمته إليها لتعانقه منخرطة في البكاء ، بكاء من نوع آخر .. بكاء سعادة وفرح لكلاهما ثم ابتعدت عنه ومدت يدها تمسح دمعته ثم تطلعت إلى طفلهم وقالت بصوت مبحوح في ابتسامة رائعة محاولة خلق جو جديد :
_ شبهك أوي على فكرة ركز كدا فيه

اماء برأسه في إيجاب وهو يتأمله من جديد ثم جلس بجوارها واستند بجبينه على جبينها وهمس في صوت ينسدل كالحرير ناعمًا كان يعبر عن مدى عـ,,ــــشقه لها :
_ أنا لو قعدت أشرحلك للصبح أنا حاسس بأيه دلوقتي مش هنخلص صدقيني ، ربنا يخليكم ليا يارب وميحرمنيش منكم

أغمضت عيناها بتلذذ وراحة ثم قالت في رقة :
_ أنا هسميه يزيد أظن معندكش اعتراض أكيد

ثبت نظره في عيناها بدهشة فهما كانوا قد اتفقا على اسم قبل دخولها العمليات والآن تخبره بأنها قررت أن تجعل اسمه على اسم أخيه الذي توفي قبل أن يخرج للحياة ، رأت هي في هيناه المزيج من الدهشة والفرح والعـ,,ــــشق الذي لا مثيل لهم ، فلم يعرف بماذا يجيبها سوى أنه انحنى ليلتقط شفتيها معبرًا عن جزء صغير من عـ,,ــــشقه وسعادته بهذه اللحظة.

_ تمت الحمدلله_

انت في الصفحة 8 من 8 صفحاتالتالي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
0