اشلاء القلوب 5

(( أشلاء القلوب ))

_ الفصل الواحد والثلاثون _

ثم صعدت الدرج قاصدة شقة معينة فإذا بها تتفاجئ بأن الباب مفتوح فتدخل ببطء وتبحث بنظراتها في المنزل وحين يقع نظرها على ذلك المشهد فترتجف رعبًا ودهشة ! ، وكأن صاعقة نزلت عليها فجعلتها متسمرة بأرضها .. كان المنظر كافيًا لجعل أشد رجل يهتز بأرضه من الدهشة ، فقد رأت ” روان ” ملقية على الأرض ومن حولها الدمـ,,ــــء تملأ الأرض وقد كام أحدهم بذبحها وهي مستيقظة ولم يستكفي بهذا بل وضع لمسته القذرة قبل فعلته وهي أنه قد حاول الاعتدـ,,ــــاء عليها وأهلكها ضر*بًا وتعذبيًا قبل ذبحها ! . لم تتحمل ذلك المنظر فكانت يداها توضع على فمها بحركة تلقائية لتكتم صرختها ،وكادت أن تسقط من هول المنظز لولا أنها استندت على الحائط ، وبينما هي في صدمتها يصك سمعها صوت أقدام على الدرج قوية ، فلم يكن عساها شيء سوى الركض لتصعد بالطابق الأعلى قبل أن يروها وتقف ترتجف من الخوف عندما سمعت صوت الشرطة .. ترتجف كمجرم ارتكب جريمة ويخشي أن يُق*بض عليه . أخرجت هاتفها وأجرت اتصال بأُسيد فلم يجيبها فراحت تحادـ,,ــــث مراد الذي أجابها بضيق قائلًا :
_ إيه يا أسمى في إيه ؟!

خرج صوتها الباكي والمبحوح بهمس قائلة :
_ مراد تعالى خدني بسرعة

هب واقفًا بهلع وقال بصوت خشن :
_ بتبكي ليه يا أسمى إنتي فين ؟

قالت ببكاء شديد :
_ أنا روحت لروان ولقيتها مقتولة والشرطة جات وخايفة يشوفتي يفتكروا إني ليا إيد في حاجة ومش عارفة أعمل إيه

وقعت كلمة ” مقتولة ” على مسامعه كالرعد وأصابه الذهول ولكن أدرك نفسه وقال فورًا بقلق :
_ متخافيش يا حبيبتي امسحي دموعك وانزلي عادي كأنك من سكان العمارة وأنا هجيلك دلوقتي حالًا

أماءت برأسها في إيجاب ثم وضعت الهاتف في حقيبتها وفعلت كما أخبرها و نزلت الدرج بثبات استهلك كل ما تبقى من شجاعتها وبمجرد مرورها من أمامهم بسلام حمدت ربها أن ذلك اليوم مر بدون مشكلة ووقفت أمام المبنى تنتظر سيارة أخيها .

***
فتحت عيناها ببطء وانزعاج وكان أول ما تنظر له هو جوارها على الفراش فلم تجده ، أصابتها الدهشة وتساءلت بداخلها أين ذهب في الصباح هكذا واليوم هو أجازته من العمل ؛ فتنهدت بخنق بسيط لعدم وجوده ثم اعتدلت في نومتها وهبت واقفة من الفراش وأتجهت نحو المرحاض لتغسل وجهها ؛ حتى تزيل أثر النعاس من عيناها . ثم خرجت وبدأت بتبديل ملابسها لترتدي فستان قصير يصل إلى الركبة بحملات وبمجرد أن رأت نفسها في المرآة تذكرته حين رأها بذلك الفستان لأول مرة كيف أعجب بها ولقن سمعها بكلم*اته المعسولة والمتغزلة بها . فخطر على بالها أنه يكفي لهذه الدرجة من الخصومة والشجار بينهم فهو لا يستحق كل هذه القسوة منها ، فهو محق في أمر أنها أصبحت كبقية الظروف القاسية التي تصر على إحزانه وعدم دخول الراحة إلى عينه .. محق عندما قال أنها ملجأه الوحيد من تلك الأعصاير التي تصر على تدميره هي ذلك الحبل الذي يتشبت به ويمسك به جيدًا وسط تلك الرياح القوية فإن قطعت ذلك الحبل سيطير في رياح الأعاصير وهو لا يعرف إلى أين سينتهي به المطاف وتستقر قدمه في أنهي منطقة .
انتشلها من شرودها صوت فتح الباب فغادرت الغُرفة فورًا وعندما وقع نظره عليها ابتسم بساحرية وقال بودٍ :
_ إيه القمر اللي طالع في النهار ده !

تصنعت الغرور والفخر ونظرت إلى تلك الأكياس التي يحملها بيده وهتفت وهي توليه ظهرها وتتجه نحو المطبخ :
_ تسلم

ابتسم بغيظ من ردها ثم حمل كيس معين من ضمن الأكياس وأتجه به نحوها ليقف خلفها ويعانقها هامسًا بمكر :
_ إيه ياملاكي طيب قولي صباح الخير حتى قالبة وشك كدا ليه ، ده حتى أنا جايبلك مفاجأة

حجبت ابتسامتها بصعوبة وابتعدت عنه لتقول ببرود وابتسامة مستنكرة :
_ شكرًا خليها ليك !

أخرجت الكيس من خلف ظهره ليظهر محتوياته التي كانت عبارة عن طعام وحلوى وعصائر وقال بخبـ,,ــــث :
_ تصدقي وفرتي آكلهم أنا أحسن !

تلألأت عيناه بدهشة ولمعت عيناها من السعادة كالأطفال وكانت سرعان م*اتخطف الكيس من يده وتهتف بنبرة شرـ,,ــــسة وهي تضمه لصدرها :
_ تاكله ده إيه ، عشان آكلك أنا !!

قهقه بقوة ثم سحبه بعنف من صدرها قائلًا :
_ مش هتاخديه غير لم تقوليلي مش زعلانة منك خلاص !

لاحت ابتسامة ساخرة على ثغرها وقالت متغطرسة :
_ طاب ما أنا ممكن أقولك مش زعلانة وأخده وبعدين ولا كأني قولت حاجة

_ وهو أنا عبيط ولا إيه ، مش أنا اللي تضحكي عليه ياقلبي

ضمت حاجبيها بغيظ وقالت منفعلة :
_ أُسيد هات الكيس يلا ، وإلا إنسى إني أسامحك أصلًا

اقترب منها بنظرات لئيمة فتراجعت للخلف ورفعت أصبعها في وجهه قائلة بتحذير وارتباك :
_ هات الكيس من غير ما تقرب

_ قولي مش زعلانة منك الأول

ظلت تتراجع وهو يقترب حتى التصقت بالثلاجة وتطالعه بتوتر بسيط وتستعد لحركته القادمة وهي التهام شفتيها ولكن هيهات فذلك الماكر لن تستطيع الانتصار عليه بسهولة . أغمضت عيناها بخجل وهي على أتم الأستعداد لتلك الخطوة وتشعر بأنفاسه تلفح صفحة وجهها وكأن المسافة التي بينهم لا تساوي شيئًا وإذا بها تسمعه يقول مبتسمًا بضحك :
_ لا حتى دي مش هدهالك !

فتحت عيناها وأحمرت مقلتيها من الغيظ ، تكاد تُخرج الشرارات منهم ، وزاد من غيظها ضحكه على منظرها فانهالت عليه تضر*به بقوة على ذراعيه وتصيح بانفعال هادر :
_ إنت أصلًا حقير ، ثم إن مين قالك إني كنت هخليك تاخدها أصلًا ، أنا كنت مستنية اللحظة المناسبة بس علشان أزقك

هتف من بين ضحكاته المستمتعة بذلك الجدال الممتع له :
_ أه طبعًا إنتي هتقولي أنا معنديش شك في كدا !

_ أطلع برا يا أُسيد !

اقترب منها ثانيًا وهو يقول بعناد جميل :
_ لا

_ لو حاولت تعمل حاجة تاني المرة دي مش هرحمك والله

وفجأة وجدته يكتم عليها ويضع يده في أماكن معينة بمهارة ويبدأ بزغزغتها لتنطلق منها الضحكات المرتفعة بقوة حتى شعرت بعدم قدرتها على التنفس مش فرط الضحك لتقول أخيرًا بصدق مستسلمة من بين ضحكاتها :
_ خلاص والله مش زعلانة منك أبعد عني بالله عليك

توقف فورًا وقال بسعادة بادية على محياه جعلت من ابتسامته شيء أجمل وهو يقول :
_ كلام رجالة يعني مش زعلانة خلاص ؟

استغرقت لحظات لكي تستعيد أنفاسها ثم تلف ذراعيها حول عنقه قائلة بدلال في عـ,,ــــشق :
_ بعد اللي بتعمله عشاني ده أنا مقدرش أقول غير كدا أصلًا

لمعت عيناه بوميض العـ,,ــــشق اللامتناهي وحبه الأبدي لها ، فقد كان يعرف أنها مهما قست عليها في البداية سيأتي اليوم الذي ستنهار حصونها أمام سيله الجارف من العـ,,ــــشق لها ، كانت أقصى يحتاجه في هذه اللحظة هو معانقتها فضمها على صدرها يقبل شعرها ويستنشق رائحته الجميلة وهو مغمض العينان بشعور رائع وتُبادله هي نفس الشعور

***
طرق باب غرفتها طرقات خفيفة ثم دخل الطارق فطالعت زوجة أبيها بأعين يائسة وحزينة ثم أشاحت بوجهها للجهة الأخرى لكي تخفي تلك الدموع المتجمعة في مقلتيها ، فاقتربت منها أحلام وجلست بجوارها صامتة لثوانٍ ثم قالت بضيق :
_ زمردة اللي حصل حصل خلاص كفاية زعل

قالت بصوت تخنقه العبارات :
_ لا مش كفاية ياخالتي أنا بيعاقبوني وكأني ارتكبت جريمة وريان كان مش طايقاني كأني كنت بعمل حاجة غلط ما أخوه واستني كمان لما ياجي دور ملاك وأُسيد ويعرفوا . محدش حاسس بيا وإني قلبي محروق على عبدالرحمن أكتر منهم ، أنا أتحرمت منه من قبل ما أكون معاه حتى ، حسبي الله ونعم الوكيل فيها ربنا مش هيسيب حق جوزي أبدًا

رتبت على ظهرها بحنو وأعين متأثرة وهي تقول بحنان زارف :
_ متزعليش نفسك يابنتي ، ملاك طبيعي هتزعل منك لما تعرف لإنك خبيتي عنها حاجة زي كدا وريان أعذريه برضوا هو عنده حق يتعصب الصراحة

لم تُجيبها فقط اكتفت بالصمت وهي تطرق أرضًا في أسى فوجدتها تنهض وتقول باهتمام :
_ قومي اغسلي وشك وريحي جسمك كدا ومتفكريش في اللي حصل كفاية

رمقتها في ودٍ وابتسامة صافية ، فغادرت أحلام وبقيت هي كما كانت وحيدة تفكر في شجونها ، وإذا بها تجد هاتفها يعلن عن رنين أحدهم فتلتقطه وعندما تقرأ اسم المتصل الذي لا يتوقف عن الرنين منذ أمس ومُصرّ على إجابتها عليه ، فمن الواضح أنه لن ييأس من محاولاته الفاشلة منذ الأمس وسيظل يحاول ويزعجها باستمرار . للمرة الثانية التي تشعر بالإهانة منه وهو غير مبالي لمشاعرها ، ثم يعود كالعادة ليسألها العفو عنه ولكنها تلك المرة لن تسامحه بسهولة ، كان يجب عليه أن يدرك كلم*اته قبل أن يلفظها من بين شفتيها يدرك نتائجها السيئة عليه وعليها .. يدرك وضعها السيئ وأنها في وضع صعب لا يتحمل أي كدمة مؤلمة من أحدهم ، ولكنه أعطاها إياها دون مبالاة لوضعها ! .
أجابت عليه في مضض وصوت جاهدت في إخراجه قوي وحاد غير مبحوح :
_ خير !؟

تنفس الصعداء بارتياح وقال بهدوء :
_ أخيرًا ، ممكن تنزلي بقى تحت أنا مستنيكي عايز أتكلم معاكي ضروري

قالت بغضب هادر :
_ ريان مفيش كلام ما بينا خلاص ، أديك عرفت كل حاجة يبقى خلاص من هنا ورايح الكلام ما بينا هيبقى ليه حدود وآخره السلام ما بينا

لم تسمع صوته للحظات قصيرة فقط كان صمت بينهم حتى همس هو بصوت رجولي حازم :
_ طيب يا زمردة ، ممكن تنزلي بقى عايز أتكلم معاكي بخصوص عبد الرحمن في كام حاجة عايز أسألك عليها

ران الصمت مجددًا بينهم وهي تفكر هل توافق أم ترفض لينتهي الأمر بإجابتها الصارمة عليه :
_ طيب وهتسأل اللي عايز تسأله ومفيش كلام زيادة وهتمشي ومش هتتصل بيا تاني فاهم

ربما أخذ أمر سؤاله لها عن بعض الأسئلة التي تخص أخيه حجة لكي يراها ويحاول الاعتذار منها ولكن من الواضح أن جميع الطرق أغلقتها في وجهه الآن بلهجتها الصارمة التي لا تظهر أي لين تجاهه ، فتنهد بخنق وأجابها بضجر بسيط :
_ فاهم يازمردة

أنهت الاتصال معه وبدأت في ارتداء (إسدالها ) وحجابها وتنزل له فتجده يقف أمام سيارته يستند عليها بجسده ومحياه واضح عليها الزمجرة والضيق ، وبمجرد رؤيته إياه استدار وصعد بالسيارة فتصعد هي بجواره وتهتف بثبات تام :
_ هاا عايز تسأل إيه ؟!

طالعها بصمت للحظات يحاول إيجاد شيء يسألها عنه ، فهو لم يكن يتوقع أن يتعلق بها لتلك الدرجة ، أن تسحبه إلى وحل لن يستطيع الخروج منه بسهولة . بدأ يتيقن الآن أنه ليس لديه حظ في الحب وكأنه حُرم عليه ، من الأفضل أن يكُف عن الميل إلى أي امرأة ويضع على قلبه قيودًا من حديد حتى لا يتمكن أحد من اختراقه .
قال بخفوت مرير في تساءل :
_ نهلة مسابتس أي دليل وراها لما جات وهددتك

هزت رأسها نافية في تضجر وهي تقول :
_ للأسف لا هي بس كل اللي قالته إنها هددتني وقالتلي إنها هتسافر برا مصر مش أكتر

أماء في تفهم بيأس وسرعان ما وجدها تحملق أمامها في شرود وكأنها تذكرت شيء شديد الخطورة لتنفجر قائلة في حماس :
_ أنا ازاي نسيت حاجة زي كدا ، إيه الغباء ده ! ، لما جاتلي ومشيت أنا بصيت من البلكونة وكانت راكبة عربية ملاكي تقريبًا مع واحد فأنا لمحت رقم العربية وسجلته في ورقة ، بس مش عارفة إزاي مدتهوش لمراد أو عمي طول الفترة دي ونسيت ، دلوقتي بس اللي افتكرت

ابتسم بفرحة وتشويق شديد وأجابها بحماس أشد :
_ والورقة دي فين ؟

_ أنا شلتها في بيتنا بس مش فاكرة فين أكيد هتكون موجودة في المكان اللي خبيتها فيه

في ظرف ثوانٍ وجدته يحرك محرك السيارة ويستعد للانطلاق فتقول هي باستغراب :
_ رايح فين ؟!

_ هنروح بيتك ندور على الورقة دي

_ إنت بتهرج نروح بيت إيه أنا نازلة ومقولتش لخالتي ولا مروان حتى

قال في إيجاز بعد أن أنطلق بالسيارة مسرعًا :
_ أنا هتصل بمروان دلوقتي وأخليه يسيب الشركة وياجي ورانا

***
وصلوا إلى منزل مراد ودلفوا إلى الداخل فنظرت سارة إلى وجه أسمى المرتعب بتعجب وملامح زوجها المتضايقة ، ثم قالت بفضول :
_ في إيه مالكم ؟!

جلست أسمى على أحد المقاعد وهي تجاهد في السيطرة على إرتجافة جسدها التي ازدادت عندما وجدت أخيها يصيح به منفعلًا :
_ ما خلاص كفياكي بقى أنا مش فاهم إيه اللي وداكي عنديها أساسًا

قالت بارتعاد واضح :
_ روحت عشان أتكلم معاها ولما روحت لقيت المنظر ده وفي ثواني لقيت البوليس جه

صرخ بها بصوت جهوري :
_ تتكلمي معاها في إيه ؟

هيمن عليها السكون للحظات حتى بدأت تسرد له سبب ذهابها وما قالته أمها عن خيانتها له الحقيقة وأمر الطفل الذي لم يكن طفلع وكل شيء بالتفصيل وفور انتهائها قال ساخرًا :
_ آه دحكت عليكي أمك بالكلمتين دول وصدقتي !

_ لا مدحكتش عليا يا مراد ماما كانت بتتكلم بجد المرادي ومكنتش بتكدب لإنها سمعتني تسجيل ليها وورتني فديو كمان ، بعد المشكلة اللي حصلت في البيت جات روان تشمت في ماما طبعًا

ضحك مستنكرًا في استهزاء لما تتفوه به بعد أن ولاها ظهره ، بينما سارة فكانت تستمع إلى الحديث بصمت تام فقط تتابع الحوار الذي يجري أمامها ، أما أسمى فقد هبت واقفة وق*بضت على ذراع أخيها لتديره إليها وتصيح به بعينان تهيمان بالدموع :
_ إيه القسوة اللي فيكم دي إنت وأُسيد ، طيب أُسيد يمكن وعنده حق شوية يزعل منها وإنت فين الحق إذا كان أنا بقولك إنها صادقة ومعلمتش حاجة غير لمصلحتك وعشان تخلصك منها ، أنا كنت رايحة عند روان عشان أجبلك الدليل اللي تصدق بيه إن ماما كان عندها حق . إنت وأخوك مش شايفين حالة أمكم إزاي أنا بأكلها بالغصب والعلاج مبترضاش تاخده وإمبارح جاتلها أزمة سكر بس الحمدلله بقت كويسة ، لو ماما حصلها حاجة يا مراد مش هسامحك لا أنت ولا أُسيد اللي كل واحد فيكم مقاطع أمه عشان مراته ، خليهم ينَّفعكوا لما أمكم تروح من بين إيدكم بسببكم

وفي لحظات كانت تندفع من أمامه لتغادر المنزل منفعلة تاركة إياه يفكر فيما قالته بتفكر ، ثم ينظر إلى سارة بصمت ويندفع هو الآخر نحو غرفته ليدفع الباب خلفه بعنف أصدر صوتًا جعلها تنتفض واقفة …

***
اسندل ستار الليل وكانوا يجلسون أمام التلفاز يشاهدون أحد الأفلام الأجنبية ويضمها هو إلي صدره ويداه تعبث في خصلات شعرها بشرود عيناه مثبتة على التلفاز ولكنه لا يري أي شيء من الذي أمامه فقد كان عقله شارد في شيء آخر ، بينما هي فكانت في أشد اندماجها للفيلم وتتابعه باهتمام شديد لدرجة أنها تحادـ,,ــــثه في أحداثه وهو يكتفي بهز رأسه بإيجاب فقط وكأنه جسد فقط يجلس معها وعقل في مكان آخر .
تلك المرة تحدثت معه وهي تنظر له فرأته شارد تمامًا ، فصمتت ثواني ثم قالت باستغراب :
_ أُسيد !! … أُسيد

انتبه لصوتها وكأنه خرج من عالم آخر وقال بخفوت :
_ نعم ؟

_ سرحان في إيه ؟!

تنهد الصعداء بخنق ثم قال بصوت رجولي خشن :
_ إنتي تعرفي بموضوع جواز زمردة مش كدا !؟

ابتعدت عنه فورًا وقالت في اندهاش :
_ نعم !!! ، جواز مين !!

_ زمردة كانت متجوزة عبدالرحمن أخو ريان يا ملاك لو تعرفيه !

كانت الصدمة كافية لجعلها غير مستوعبة لما يقوله وهي تقول بدهشة :
_ زمردة مين اللي كانت متجوزة ، بنت خالي !

قال بتأكيد في صلابة :
_ أيوة يا ملاك كانت متجوزة وكاتبة كتب كتابها بس عبدالرحمن اتوفي قبل ما يعملوا الفرح .. أنا كنت فاكرك تعرفي قولت أكيد زمردة هتقولك مش هتخبي عنك إنتي بذات !

_ أنا مش فاهمة حاجة وأول مرة أسمع منك الكلام ده !! ، فهمني يا أُسيد بالله عليك وحدة وحدة عشان أفهم كويس

***
فتحت باب غرفتهم ودخلت فوجدته جالس على الفراش واضع رأسه بين كفيه بحزن دفين وضيق فاقتربت منه وجلست بجواره قائلة بخنق :
_ مش هتاكل يامراد ؟!

هز رأسه لها بالنفي فقالت بهدوء :
_ طاب قوم خدلك دش كدا يمكن تفوق شوية وتعالي كُل بلاش عند بالله عليك

أجابها بصرامة في اغتياظ :
_ مش عايز حاجة يا سارة وقومي وسبيني وحدي !

التمعت عيناها ببريق شرير وخبيث ثم نظرت بجانبها إلى زجاجة الماء فالتقطتها وفتحتها ثم وقفت أمامه وقالت ببراءة :
_ طيب ممكن تاجي معايا

طالعها باستغراب للحظات حتى وجدها هي تق*بض على ذراعه وتوقفه وتسحبه خلفها إلى الحمام وتقف أمامه ثم في ثانية كانت يدها الأخرى تخرج من خلف ظهرها وبزجاجة الماء التي بها تسكبها كلها فوق رأسه ثم ألقتها على الأرض وقالت ببرود :
_ أصل أنا لقيتك مش عايز تاخد دش قولت أما أدهولك أنا ، يلا كمل بقى الدش وأنا هجهزلك هدومك برا

كان هو متسمر بأرضه في دهشة مما فعلته ، ولكن في ظرف لحظات تحولت عيناه إلى جمرتين من الن*ار فاندفعت هي إلى الخارج تركض ويلحق هو بها ، فينتهي بها المطاف لتدخل إحدي الغرف وتغلق على نفسها بالمفتاح فيصيح بها مزمجرًا :
_ افتحي الباب ده بدل ما أك*سره فوق دماغك

_ اك*سره هو أنا اللي هصلح وهكع الفلوس في الآخر ولا إنت

قالتها ببرود أشد أثار جنونه أكثر فقال صائحًا :
_ طاب افتحي الباب ياجزمة عشان أكع الفلوس بجد بس عليكي إنتي المرادي

قالت ضاحكة ببرود قاصدة إثارة غيظه أكثر :
_ ده كله عشان جزازة مايا مكنتش أعرف إنك جربان كدا يامراد ، ده أنا كأني كبيت عليك مايا ن*ار في إيه !!؟

_ طاب اطلعي خليني اوريكي الجرب اللي بجد

قالت برقة أنوثية تتصنعها :
_ لا ياخويا هو أنا هبلة عايزاني أطلع وتضر*بني ، بص روح استحمى الأول وأنضف وكُل وبعدين هطلع

صرخ بها بصوت جهوري مخـ,,ــــيف :
_ سارة !

صمتت ولم يستمع إلى أي صوت يصدر عنها حتى مرت لحظات ووجد الباب يفتح ففتح ودخل ، وإذا به يقف متصلبًا حين وجدها تقف فوق الفراش تمسك بالوسادة أمام وجهها وصدرها وبيدها مصاصة ، فلم يستطيع حجب ابتسامته التي حاول أخفائها بحكه لذقنه ، ثم مسح على وجهه وهو يقول بهمس :
_ استغفر الله العظيم يارب ، هو انا ناقص عبط !

فوجدها تقول بحماس حقيقي :
_ قامت الحرب بيني وبين !

اقترب منها وقال بجدية مزيفة وهو يجاهد في حجب ضحكته :
_ طاب المخدة وفهمنا إنك بتحمي نفسك والمصاصة دي بتعمل إيه !

قالت وهي تمصها باستمتاع طفولي :
_ لا دي عشان تسليني لو زهقت من الحرب !

ابتسم ببساطة وقال بهدوء :
_ لا بتفكري الصراحة ، تعالي يا سارة انزلي متخافيش مش هعملك حاجة ، اصل المجنون ليس عليه حرج تعالي ياحبيبتي

_ قول والله مش هتعملي حاجة

_ انزلي ياسارة يلا قولتلك مش هعملك حاجة !

القط الوسادة على الفراش ونزلت فتقدم نحوها ووضع يده على جبينها يتحسس درجة حرارتها ثم قال باسمًا :
_ جسمك دافي ، ما أنا بقول برضوا انتي مش طبيعية أكيد فيكي حاجة ، لا ألف سلامة عليكي ياحبيبتي تعالي اعملك كمادات

قالت بضحك :
_ وإنت مش هتستحمي !؟

هتف بخفوت مبتسمًا يحاول تصنع الجدية :
_ لا استحمي أيه ، لما نعالج الموقف العصيب ده الأول ، وهاتي المصاصة دي لتخلص خليها قاعدة عشان لما يكون في حرب تاني تسليكي

انفجرت ضاحكة بقوة وقالت بمرح :
_ لا خلاص الموضوع اتعالج متقلقش ، يلا روح غير هدومك وأنا هروح أعمل الأكل عشان ناكل مع بعض

قالت آخر كلم*اتها واندفعت إلى الخارج مسرعة فضر*ب هو كفًا بكفًا ضاحكًا .

***
فتحت الباب على مصراعيه ودخلت فوجدته يجلس على مكتبه صامتًا وعيناه حمراء كالدم يستعد للهجوم على أي شيء أمامه ، وكانت هي قد ذهبت لشباك الصياد بنفسها وقالت :
_ ريان وين مجاش ليه من وقت اللي حصل

_وإنتي مالك بيه ريان !

صاحت منفعلة في غضب هادر :
_ مالي بيه كيف مش ولدي ، ومش كفاية خبيت عني * ولدي التاني وجوازه وأنا معرفش حاجة لا وكمان مين اللي *ته بنت اختي

هب ثروت واقفًا وقال مبتسمًا بسخرية :
_ بنت أختك ، واضح إن العيلة كلها قتالة *ة ما شاء الله

صمتت قليلًا لبرهة من الوقت تطالعه بتوتر ثم قالت بتعجب :
_ قصدك إيه ؟!

وقف أمامها مباشرة وقال بنظرات شرـ,,ــــسة ومرعبة :
_ قصدي إني مندمتش على حاجة في حياتي قد ما ندمت إني أتجوزت واحدة زيك

ابتلعت ريقها بتوتر وهمست بتلعثم :
_ إيه اللي بتقوله ده يا ثروت !

فورًا وجدته يجذبها من شعرها بعنف ويصيح بها بصياح جنوني لاعنًا إياها بالسباب :
_ عايزة تعرفي قصدي إيه ، قصدي فردوس وجوزها وعزت اللي *تيهم وملاك اللي حاولتي ت*يها وده كوم وخيانتك كوم تاني وصورك إنتي وفي حضـ,,ــــنه

قال آخر كلم*اتها وانهال عليها بالصفعات على وجهها والضر*ب في انحاء جسدها فنسقط هي على الأرض وتصرخ باكية تتوسل منه الرحمة وبعد دقائق طويلة كانت هي مسلوبة القوى على الأرض وكان هو قد أفرغ شحنة غضبه المكتظة داخله ، ثم انحني ليهتف بجانب أذنها في همس مؤلم :
_ إنتي طالق يا أشجان ، طالق ، طالق !!!!

انت في الصفحة 2 من 8 صفحات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
0