(( أشلاء القلوب ))
_ الفصل السابع والعشرون _
هنا فتحت عيناها بدهشة عندما أدركت الوضع وأتضح صوته لها أكثر ؛ وابتعدت عنه فورًا وهي تصيح منفعلة :
_ إنت بتعمل إيه جمبي !؟
اقترب منها مجددًا ووضع يد بجانب رأسها من اليسار واليد الأخرى من اليمين وهو شبه فوقها ويهمس بمكر :
_ بقفلك الشباك عشان تعرفي تنامي !
أحست برعشة سرت في أنحاء جسدها ومنعتها حتى عن التحرك ، وقد أسعفت الكلم*ات من فمها بصعوبة وتهتف بتحذير :
_ أبعد يا أُسيد عني
_ لا
كانت أجابته مباشرة تدل على رفضه القاطع فأكملت بصوت أكثر ارتباكًا :
_ قولتلك أبعد ! ، أصلًا أنا وإنت مفيش كلام ما بينا
قال بوجه مبتسم :
_ بس بالنسبالي في كلام كتير .. في إنك قاسية ومنشفة ريقي من إمبارح بسبب اللي حصل وحاولت مليون مرة أصالحك مفيش فايدة ، طاب بزمتك أنا قاسي كدا معاكي ده حتى إنتي دايما بتغلطي ومش بقدر أخليكي زعلانة مني وبروح أنا اللي أصالحك بالرغم من إن إنتي اللي المفروض تعملي كدا
_ أنا بغلط في حجات بسيطة ، لكن غلطتك إنت مش صغيرة ومش حاجة هينة عشان أسامحك عليها بمجرد ما تقولي أنا آسف
قالت بعبوـ,,ــــس بسيط في حنو :
_ طيب قوليلي إنتي أعمل إيه عشان أخليكي تسامحيني وأنا هعمله علطول ؟
أكملت قسوتها بدون رحمة وهي تهتف بحدة :
_ عايزاك تبعد عني خالص والكلام بينا هيبقى بحدود يعني كأننا أغراب ويا إما إنت تروح تنام في أوضة تاني يا إما أنا أروح
طالعها بأعين شبه غاضبة ومنزعجة ، من كلم*اتها التي أثارت جنونه .. فهو يعرف جيدًا أنه يستحق عقابها وأنه أذنب في حقها ، ولكن كان ينتظر أن يرى الشفقة والرحمة في عيناها .. أن يرى ذلك الملاك الذي رآه أول مرة .. وأن يشعر بأنها تشعر بألمه وتقدر موقفه ، فهذه هي المرة الأولى له الذي شك بها وأهان كرامتها وكانت ناتجة عن حماقة منه ، وقد أقسم على عدم تكرارها .. ألا يحق له أن تلتمس له العذر وتسامحه .
فهي إن دخلت وفتشت في قلبه ستراه متهالكًا وضعيفًا ، يحارب كل الظروف التي تصر على إيقافه عن العمل وجعله ج*ثة هامدة مكانها بين التراب ! . فإن كانت هي حزينة على فقدانها لطفلها فهو الأسى مزقه لأشلاء ومع ذلك يحاول الظهور أمام الجميع بالمظهر القوي والثابت ، فقد كان ذلك الطفل سيعيد لقلبه المتهالك نشاطه وحيويته ، ولكن هي فضلت أن تكون مرض خبيث يزيد من تهالك قلبه وتصر كالظروف على القضاء عليه .
ابتعد عنها بوجه جامد وغاضب لينهض من الفراش تمامًا ويتجه نحو خزانته وهو يقول بصرامة :
_ اللي حصل إمبارح ده حصل إزاي ؟!
اعتدلت في جلستها ونزلت من الفراش لتقترب منه وتقول ساخرة :
_ أسأل ليلى هانم حصل إزاي وهي هتقولك !
اتسعت عيناه بدهشة حين نطقت بأسم أمه وقال بصدمة :
_ ماما عملت إيه ؟!
_ أمك هي السبب في إني أجهضت ، دخلت الأوضة عندي واتخانقت معايا زي العادة ووسط الخناق زقتني على الأرض واتخبطت ببطني في سن السرير وهي طبعًا مشيت وسابتني ، أنا قومت بالعافية ودخلت الحمام ووقتها كنت حاسة بألم فظيع فمستحملتش ووقعت .. فأنا قدامك دلوقتي يا أسيد بقولك ابني اللي خسرته ده مش هسامحها عليه وهتظفع التمن ومش هيهمني إنها أمك ، لأني سكتّ كتير بس أنه يوصل أنها ت* ابني مش هسكت عن كدا
_ وهي إيه عرفها إنك كنتي حامل ؟!!!
صاحت بغصب عارم وأعين عارم :
_ معرفش يمكن تكون سمعتنا أنا وسارة لإني قبليها بليل أنا كنت بتكلم مع سارة وبقولك إني عملت اختبار حمل وطلعت حامل وبقولها إني هقولك بكرة على الخبر ده ، وهي طبعًا مضيعتش وقت .. أنا مش عارفة هي بتعمل معايا كدا ليه ، طيب إيه ذنبه الطفل اللي *ته ده حتى حفيدها ، أنا مش فاهمة إيه الحقد ده كله .. عشان كدا أنا البيت اللي هناك ده مش هدخله طول ما هي موجودة فيه
مسح وجهه وهو يتأفف بصوت مسموع ومخـ,,ــــيف لا يبشر عن خير أبدًا . وهو لا يطاق يصدق أن أمه فعلت به كدا ، وهي أكثر شخص تعرف أشتياقه لطفل يملأ عليه فراغه .. لطفل طالما تمناه طوال إلى ما يقارب الست سنوات وكان يدعو االه مرارًا وتكرارًا أن يرزقه بالزرية الصالحة ، والآن هي رأت ذلك الكفل الذي كان سيأتي ويملأ حياته هو وزوجته كثير عليه .
جذب مفاتيح سيارته وانطلق مغادرًا المنزل يلتمس طريقه ليجد شيء يفض به غضبه. أما هي فجلست على الفراش تبكي بحرـ,,ــــقة وألم لا يختلف عنه كثيرًا ، فمنذ الأمس كانت تكتم ذلك الألم بداخلها حتى كاد ي*ها ! .
***
كانت تقف في المطبخ تقوم بتحضير وجبة الأفطار ، وتقف شاردة عن العالم من حولها تفكر في أشياء كثيرة .. تفكر كيف تغيرت حياتها بعد إن كانت جميلة وهادئة إلى صراعات دائمة وباتت كظلام دامس تسير فيه ، كل خذا كان كافيًا لكي يجعلها لا تنسى ما حدث مهما مر عليه أيام وشهور وسنين طوال .
تركت ما بيدها والتفتت خلفها لكي تذهب وتخبره بأن الطعام جاهز ، فتسمرت بأرضها كالصنم حين رأت ذلك الوغد المدعو ” أسلام ” يقف على مقدمة الباب ويطالعها مبتسمًا بتشفي ، كان وجهه بالنسبة لها كش*بح يقف أمامها ، مخـ,,ــــيف ومرعب . تراجعت للخلف في إرتعاد وقد بدأ جسدها ينتفض بمجرد تذكرها لتلك الليلة ، وزاد من نفضته أكثر حين وجدته يقترب منها .. لم تفكر قط أن ما أمامها مجرد خيال أو صورة وضعها عقلها الباطن أمامها ، فكان كل تفكيرها أنها تراه ويقترب منها وهذا كافي لكي تشعر بارتعاشة جسدها وأنسيابه ، وعندما وجدته يقترب أكثر فد*فنت وجهها بين كفيها وأخذت تصرخ بخوف ؛ لحظات وكان الآخر يركض مفزوعًا من أثر صراخها ووقف أمامها يمسك بكتفيها قائلًا بقلق :
_ في إيه يا سارة !؟
رفعت رأسها بإطمئنان حين سمعت صوته وطالعته بأعين دامعة وصوت مرتجف :
_ أاااسلام شوفته يامراد كان واقف هنا وبيقرب مني
تلفت حوله باستغراب ثم قال متعجبًا :
_ مفيش حد ياسارة هنا !
قالت باكية بخوف جلي :
_ صدقني شوفته وكان بيبصلي ويضحك ، نفس النظرة اللي كانت في عينه بعد .. بعد ما ……..
لم تستطيع تكملة الجملة فانهارت باكية بعنــ,,ـــــف ،حتى أحست بذراعيها تحيطانها وتضمانها إلى صدره الدافيء وبيده يملس على شعرها هامسًا بحنان وصوت هادئ مطمئن :
_ طيب اهدي خلاص إنتي كنتي بتتخيلي بس مش أكتر مفيش حد غيري في البيت ، ومحدش هيقدر يقرللك طول ما أنا موجود
لم تهدأ قط بل ازدادت في البكاء أكثر وكانت ترتجف بين يديه من الخوف ، فلف ذراعه حول كتفها ورافقها إلى الغرفة ثم تسطحت على الفراش وهي مازالت داخل نوبة بكائها ، حتى وجدته يبعد الغطاء عنها ويتسطح بجوراها ثم يفرد ذراعها يدعوها للإنضمام إليه ، فلبت طلبه واقتربت لتضع رأسها على صدره وهي تصدر نشيج مسموع ، فاحنى رأسه وطبع قبلات متتالية على شعرها هامسًا بصوت ينسدل كالحرير ناعمًا :
_ سارة ياحبيبتي ال… اللي اسمه أسلام ده خلاص مش موجود ومش هتشوفيه تاني ؛ لأنه هيكمل بقية عمره إن شاء الله في السجـ,,ــــن ، فمش عايزاك تخافي كل ما تفتكريه وحتى لو طلع مش هيقدر يعملك حاجة ؛ لأني معاكي ، خلاص اهدي وبطلي بكى بقى !
_ غصب عني يامراد مش قادرة أنسى وكل ما أحاول أعيش حياتي طبيعية بلاقي الحجات دي بتجري ورايا
قال بجدية في شيء من المرح :
_ يبقى متضعفيش ليها وخليكي قوية قدامها ، أمال فين سارة اللي كانت إمبارح واقفة وبتزعق فيا أنا وأُسيد وماما
ابتسمت رغمًا عنها وقالت بهدوء :
_ لا دي حاجة ودي حاجة مختلفة
_ ياسلام !!
شاركته المرح البسيط في وجهه مازال لم ترحل عنه آثار البكاء :
_ وحياة عبد السلام !!
فعاد يقبل شعرها وجبينها متمتمًا بنبرة عاشقة وهو يتغزل بها :
_ أيوة كدا اضحكي ، حرام لما القمر ده يزعل والله والعيون الحلوة دي تبكي ، إنتي ميليقش عليكي غير الضحك ياجميل إنت
أحمرت وجنتيها بخجل مفرط ثم هتفت بتصنع الغضب :
_ احترم نفسك
قال بمكر أشد :
_ يعني نايمة في حضـ,,ــــني ومعرفش إيه وجات على الكلمتين دول واحترم نفسي !!!
همت بأن تنهض وتبتعد عنه فق*بض على ذراعها وشدد من ضمه لها قائلًا بمداعبة في ضحك :
_ لا خلاص وحياة سيدك اللبلوبي ما إنتي متحركة من مكانك ، احنا آسفين يا صلاح
بعد أن كانت داخل نوبة بكاء عنيفة وشجن شديد انفجرت ضاحكة بشدة ، وبقيت كما كانت في مكانها ، فهو ماهر في إزالة حزنها و كلما تكون حزينة وتبكي يبدع في اختراع الطرق المختلفة لجعلها تضحك وتنسى الحزن ، وبالفعل بدأ يحرك عواطفها من جديد نحوه بعد إن دُفنت وأصبحت تنظر له كأخ ! ثم عادت تتطلع إليه بنظرة مختلفة .
***
استقرت بغرفتها منذ رحيله غارقة في أشجانها ، حتى سمعت صوت طرق الباب فظنته عاد ، فقالت بخنق :
_ ادخل
ذهولت عندما رأت أسمى أمامها ، واعتدلت في جلستها فورًا باندهاش قائلة :
_ أسمى !! ، إنتي إمتى جيتي وإزاي دخلتي !؟
قالت باستحياء بسيط :
_ جيت مع أُسيد الصبح وكنت قاعدة في الأوضة
فهمت من كلامها أنها ستبقى لفترة معهم فلم تبدي أي ردة فعل بل حدقتها بصمت وجمود ، حتى تقدمت هي نحوها وقالت بندم شديد :
_ لو مش حابة قعادي هنا أنا همشي أصلًا ، أنا جيت بس عشان اعتذرلك عن كل حاجة وأقولك أنا آسفة سامحيني أنا غِلطّ في حقك كتير وظلـ,,ــــمتك
ابتسمت لها برقة وطيبة ناطقة في وجهها :
_ أولًا ده بيت إخوكي تقعدي فيه زي ما انتي عايزة ، ثانيًا أنا مش زعلانة منك أصلًا يا أسمى ولو كنت زعلانة منك مكنتش هاجي واقعد معاكي وأحاول أفهم منك إنتي بتعامليني كدا ليه ؟!
طالعتها بسعادة غامرة ثم قالت بعدم تصديق :
_ بجد يعني إنتي مش مدايقة مني ولا حاجة
_ أيوة لإن إنتي معملتيش حاجة تخليني أكرهك عشانها كل ما في الموضوع إنك مكنتيش حباني
اتسعت ابتسامتها أكثر ، فهي لم تكن تتوقع أن الأمر سيكون بكل هذه السهولة ، وأتضح لها أيضًا أنها لا تختلف عن أخيها كثيرًا في طيبته وحنانه ، ولا تحمل في قلبها بغض لأحد مثله ، اندفعت نحوها وعانقتها بحب جلي هامسة :
_ مش عارفة أقولك إيه والله ، شكرًا بجد
قطع حديثهم طوت رنين الباب فابتعدت ملاك عنها وذهبت لتفتح الباب ، وبمجرد ما فتحته وجدت زمردة ترتمي عليها وتعانقها بخوف مفرك وهي تهتف :
_ ملاك إنتي كويسة يا حبيبتي أنا مروان بليل قالي على اللي حصل وكنت عايزة أجيلك بس مرضيش يخليني أجي
أبعدتها عنها وقالت مبتسمة بصفاء :
_ أنا كويسة الحمدلله يازمردة متخافيش ، ادخلي
دخلت ليقع نظرها على أسمى الواقفة على مسافة قريبة منهم ، فحوّلت نظرها إلى ملاك باندهاش من وجودها معها ؛ فرمقتها ملاك بنظرة هادئة تطلب منها الصمت حتى تسرد لها كل شيء ، فعادت مجددًا بنظرها إليها تقابلها بابتسامة عذبة وبادلتها هي الابتسامة حتى قالت بهدوء :
_ طيب أنا هروح أوضتي يا ملاك
_ ماشي يا أسمى ولو احتجتي حاجة اندهي عليا
رفعت زمردة حاجبها باستنكار وبمجرد رحيلها قالت بسخرية :
_ ومن إمتى الحب ده إن شاء الله !
_ تعالي هفهمك كل حاجة
اصطحبتها إلى غرفتها وجلسا على الفراش ثم بدأت تسرد لها كل الأحداث طوال الفترة الماضية وهي تصغى إليها باهتمام من بداية حديثها حتى نهايته الذي ختمته بشجارها مع زوجها ! .
كان وجه زمردة يعبر عن اعتراضها لما فعلته حيث قالت بجدية :
_ والله أنا شايفة إن إنتي مزوداها حتى لو عايزة تقرصي ودنه زي ما بتقولي ، وكفاية لغاية كدا
_ كفاية ليه يازمردة هو أنه يشك فيا حاجة سهلة !
صاحت به مندفعة :
_ وهو شك في شرفك ياختي متقرفنيش ! ، وبعدين إنتي ذات نفسك لو كنتي مكانه كنتي هتصدقي أمك ؛ لأن مهما حصل ده أمه وأي حد مش بيستحمل اللمسة على أمه
قالت بعناد :
_ ماشي كنت هعمل كدا فعلًا ، بس على الأقل كان ياجي يسألني وكنت هقوله
_ لا والله ما انتي بتقولي سألك وزي الغبية قولتي أيوة عملت كدا ! ، ياشيخة حرام عليكي ده حتى ممدش إيده عليكي وكل اللي عمله زعق شوية وزعل منك ، واحد غيره كان وراكي الويل ، راعي أنه تاني مرة يخسر ابنه يعني هو تلاقيه زعلان أكتر منك بلاش تبقي إنتي كمان عليه
غمغمت بانفعال في غيظ :
_ في إيه يا زمردة إنتي جاية تشتمي فيا !!
قالت بقرف وزمجرة :
_ أيوة عشان إنتي متخلفة .. ولا هو عشان لقيتيه طيب وحنين معاكي هتتمادي فيها ، تعرفي والله خسارة فيكي أُسيد يانكدية ، لو بإيدي كنت أخدته أنا
نظرت لها مبتسمة بسخرية ثم قالت بأعين دامعة وصوت يغالبه البكاء :
_ عارفة إيه اللي قاهرني أكتر يازمردة ، إن أنا لو أتحطيت في كفة ومريم في كفة هيختار مريم وواثقة من كدا ، أُسيد منسيهاش ولا عمره هينساها وهيفضل يحبها ، يعني أنا بتخيل لو هي عايشة كنت هتحط أنا على الرف وكنت هبقى مجرد زوجة ليها أوضة في البيت معاهم يعني باختصار كنت هبقى مجرد حاجة ملهاش أي لزمة أخري بس إني أشوفه بياحي يطمن عليا وخلاص ، ومتقوليش لا لأن أنا متأكدة من كدا وأكبر دليل أنه مكنش متعصب جامد لما عرف إني زقيت مرات عمي لكن مشوفتيش شكله يا زمردة لما قالتله إني قال جبت سيرة مريم بطريقة مش كويسة وغِلطّ فيها ، كان على ثانية وهياكلني .. عرفتي بقى أنا زعلانة كدا ليه مش زعلانة عشان شك فيا ولا اتعصب ولا حاجة لأني عارفة زي ما قولتي أن أي راجل هيعمل نفس اللي عمله ، لكن اللي قاهرني إنه قالي بطريقة غير مباشرة إن إنتي ولا حاجة قدامها وإنك هتكوني مجرد نكرة لو اتحطيتي بمقارنة بينها ! .
انفطر قلبها عليها وغامت عيناها بالعبرات مثلها ، فهي تشعر بما تشعر به ، ونبرتها كانت كافية لعرض ما يدور بداخلها من ألم .. شعورها بأنها في الخانة الثانية يجعل قلبها يتشقق إلى أشلاء ! . قالت بأسى في حزن :
_ فاهماكي والله يا ملاك ، بس صدقيني أُسيد بيحبك جدًا وأكبر دليل أن زي ما قولتي هيتجن لأنك مش عايزة تسامحيه
خرج صوتها ضعيف وباكي :
_ وأنا معنديش شك أنه مش بيحبني عارفة كويس إنه بيحبني بس زي ما بقولك أنا لما أتحط بمقارنة بيني وبين مريم هطلع الخسرانة للأسف ، ثم إني مسمحاه بس قلبي رافض يتقبل كلامه مش قادرة أنساه .. أنا عشت بما فيه الكفاية مع أكرم يا زمردة وجربت يعني إيه أكون في الخانة التانية وأكون حاجة ملهاش أي لزمة بتترمي على الأرض ويدّاس عليها ، ومعنديش استعداد أعيش الاحساس ده تاني ولو وصل بيا الأمر للطلاق هنفذه ، بس سعتها لما أطلق مش هقعد هنا أصلًا هسافر برا مصر وهنسى كل حاجة ، هعيش حياتي زي ما أنا عايزاها بقى ؛ لأني بشر ومن حقي أعيش مبسوطة ولو أيام قليلة ، أنا من ساعة ما فتحت عيني على الحياة وأنا مشوفتش كام شهر على بعض مرتاحة ومبسوطة كانت حياتي أنا وماما عبارة عن حزن وألم ، أنا بقيت زي الواحد المريض والدكاترة قالوله مفيش أمل إنك تتعالج وقاعد مستني لحظة موـ,,ــــته على فراش المرض !
عانقتها زمردة بشدة وقد انفجرت باكية بحرـ,,ــــقة وقالت بشيء من التفاؤل :
_ متقوليش كدا ، إن شاء الله ربنا هيسعدك صدقيني .. وأنا متأكدة إن أُسيد مكنش قصده هو بس عشان متعصب فمكنش عارف هو بيقول إيه ، ومتقوليش مقارنة ومعرفش إيه لأنك مش هتتحطي في المقارنة دي أصلًا ؛ لأن باختصار كريم م*اتت خلاص ، وأُسيد ليكي وحدك دلوقتي ودورك إنتي إنك تحاولي تكسبي قلبه وتخلي مكانتك أكبر من مكانتها
قالت مبتسمة بسخرية وعدم اهتمام :
_ ولا أكسب ولا أخسر ، مبقتش فارقة معايا ، اللي عايز يحبني أهلًا وسهلًا واللي مش عايز يبقى وفّر
قطع حديثهم صوت رنين هاتف زمردة فأخرجته ونظرت إلى الشاشة ثم قالت بصوت مبحوح بعد أن جففت عبراتها :
_ ده مروان أصله قالي هيعدي عليا هو وجاي وياخدني ، هرد عليه وأقوله امشي وأنا هاجي وحدي
قالت برزانة في ابتسامة متصنعة :
_ لا قومي ياحبيبتي بدل ما يتعصب ولا يدايق منك ، أنا بقيت كويسة وارتحت شوية لما أتكلمت معاكي
طالعته بتردد وقلبها لا يطاوعها على تركها في تلك الحالة فقوجدته تكمل بحنان :
_ قومي يلا يازمردة وأسمى قاعدة معايا أهي
كان هو بالخارج يقف يستمع إلى حديثهم منذ أن بدأت ملاك تفرغ ما بداخلها من أحزان .. آلامها التي تحدثت عنها شيء طفيف بالنسبة لآلامه التي تولدت في هذه اللحظة ، ما سمعه جعله يكره نفسه الذي فعلت هذا وجعلت من قلبه ينشطر إلى أجزاء متفارقة ، كلم*اتها كانت كافية لتوَلّد جراح كانت التئمت منذ وـ,,ــــفاة زوجته وابنه ، والآن عادت تنزف من جديد ! .
لم يقصد قطّ أن يؤذيها بكلامه أو يشعرها بما قالت أنها شعرت به فكل ما صدر منه كان عن لحظة غضب وأخبرها بندمه الشديد على كل ما قاله ، تقول مقارنة وما شابه قبل أن تسأله عن رأيه ، فهو ليس من هؤلاء الرجال الذين لا تكفيهم زوجة واحدة ، فكان لم يتزوجها من الأساس وكما قال الله تعالى ( فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً ) وهو يعرف جيدًا أنه كان سيفشل في أن يعدل بينهم ولذلك كان لن يضع نفسه في ذلك الموقف منذ البداية .
مازالت لم تصدق أنه يحبها وأنه احتلت مركزًا في قلبه لا يختلف عنها ، وجعلت منه رجلًا مهوسًا بها كما كان مع مريم بل وأكثر منها قليلًا ، فهو لا يتذكر أنه كان لا يطيق أن يظلا كل منهم مقاطع الآخر فقد كان يستحمل أن يبقوا مقاطعين بعضهم لأيام ولكن معها إن رآها بدون أن يحدثها يجن . هي لا تعرف مدى عـ,,ــــشقه لها ، لا تعرف كيف يكون حاله حين تبتعد عنه .. لم تعرف أنها أول امرأة جعلته ينكب أمامها باكيًا حتى مريم لم تستطيع أن تفعلها معه .. لا تعلم إن ليس هناك امرأة تستطيع السيطرة عليه مهما كانت من جمال وتمتلك مقوم*ات ساحرة ، هي فقط التي جعلت منه طفلًا متلهف لأمه الذي تمد يدها له من بعيد .. أو كمراهق أول مرة له يعيش تجربة الزواج . إن انتبهت لكل هذه الأشياء ستعرف أنها لم تمتلك جزء فقط من قلبه بل هي تمتلك نصف قلبه ، فكل منهم كان قدةفَقَدَ نصف قلبه وتدمر وحين اجتمعوا اصبحوا قلبًا واحدًا لا يستطيع أي منهم العيش بدون الآخر . ربما عليه أن يمون أكثر دقة في إظهار ذلك الحب ! .
استدار وذهب إلى أحد الغرف الفارغة وأغلق الباب خلفه بعد أن فك أزرار قميصه العلوبدية ؛ حتى يجعل القليل من الهواء يتسلل إلى رئتيه قبل أن يختنق ويموـ,,ــــت ، ثم جلس على الفراش ود*فن وجهه بين كفيه ويستنشق الاكسجين بصعوبة ! .
***
في مساء ذلك اليوم كان كل من وريان ومراد يجلسون في أحد المقاهي يبتبادلون الأحاديث بينهم باهتمام حتى قال ريان باهتمام في قلق :
_ قولي صح يامراد ملاك عاملة إيه ، أنا مقدرتش أروحلها وحاولت اتصل بأسيد لقيت تلفونه مقفول
_ كويسة الحمدلله متقلقش
_ الحمدلله
أجاب مراد مبتسمًا :
_ قولي إنت بقى ظبط اللي اتفقنا عليه
قال غامزًا بثقة :
_ طبعًا كل حاجة جاهزة وهنعمله بكرا والفستان زمردة ظبطت الموضوع ده ، وإنت عليك بقى بقية التجيهزات من بداية الطريقة اللي هتاخد بيها سارة على الكوافير وهتخليها توافق إزاي
_ أطمن وحط في بطنك بطيخة صيفي
هتف مازحًا من وسط ضحكاته :
_ ياخوفي لتطلع البطيخة قرعة !
ضحك مراد بقوة على وأخذ يبادله المزاح بمرحهم المعتاد .
***
ساقتها قدماها إليه كالمغيبة وهي تحمل بيدها صينية الطعام ، فدلفت الغرفة ووضعتها أمامه على الفراش ، ثم رفعت نظرها فترى بيده سيجارة يدخنها بشراسة وتستقر نظرة منه مريرة عليها ، فقالت بخفوت :
_ أنا جبتلك الأكل ، إنت مكلتش حاجة من الصبح مينفعش تقعد كدا
حدجها بصمت وجمود حتى قالت بضيق تحاول إخفائه :
_ إنت هتنام هنا ؟!
استمر في صمته ولم يرد أيضًا ! ، فاشتعلت هي غيظًا وهمت بالرحيل لولا صوته الذي خرج خشن :
_ اقعدي ياملاك عايزة اتكلم معاكي شوية ، ومتقوليش مش فاضية ومعرفش إيه والحجج التافهة دي
تنهدت بعمق ثم اقتربت وجلست بجواره تستمع إليه بخشوع حتى سمعته يطرح عليها سؤال غريب :
_ لو معاكي فستانين واحد قديم والتاني جديد وعلى الموضة والأتنين غالين عندك إيه هتعملي فيهم ، مع العلم إن القديم ده مبقيش ينفع تلبسيه تاني نهائي ؟
تعجبت في بداية الأمر من السؤال ولكن أجابت بعفوية :
_ عادي هلبس الجديد والقديم هركنه في الدولاب
_ طيب ولو حد جه وطلب منك يشتري القديم هتوافقي ؟
قالت بلا تردد :
_ أكيد لا مش هوافق ؟
_ ليييه ؟!
_ لأن زي ما قولت إن الأتنين غالين عندي فمش هقدر أفرط فيه
لاحت في عيناه نظرة حزينة ويائسة وهو يقول بألم :
_ أهو إنتي ومريم بالنسبالي كدا ياملاك ، ليه مصممة تحطي في دماغك إني بحب مريم أكتر منك ، ليه مصرة تقنعي نفسك إنك ولا حاجة بنسبالي ، مش معنى إن مريم غالية عندي وبحبها يبقى أنا مستعد في لحظة أشيلك من حياتي ، مريم خلاص م*اتت وإنتي اللي هتكملي حياتك معايا وهتكوني أم لولادي إن شاء الله ، يعني إنتي تقريبًا تخطيتي مريم ، إنتي حبيبتي ومراتي وكل حاجة بالنسبة ليا دلوقتي فبلاش تقنعي نفسك بحاجات ملهاش أصل من الأساس ؛ لأن إنتي بقيتي روحي اللي مقدرش أعيش من غيرها
_ وكلامك اللي قولته لما قالتلك أمك إني جبت سيرتها كان إيه ، هتقولي كنت متعصب وطلع مني الكلام من غير ما أحس هقولك لا الكلام ده حقيقة
تنهد الصعداء بحزن قائلًا :
_ كنت متعصب فعلًا ومش هقولك إنه طلع مني من غير أحس ، أنا فعلًا أدايقت لما قالت ماما كدا واتعصبت لأن مهما كان أنا مش هسمح لأي حد يجيب سيرتها بالوحش ، هي كل اللي محتجاه دلوقتي الدعاء
هبت واقفة وهي تقول بغضب :
_ متحاولش تقنعني بالكلام ده لأني مش هصدق
وقف الآخير وأمسك بيده قائلًا بصوت صادق أنبعت من ثنايا قلبه :
_ أقولك إيه أكتر من كدا عشان تصدقي ، والله بحبك ومش قادر استحمل تجاهلك ومعاملتك دي ، إنتي متعرفيش اللي أنا فيه من إمبارح
استكملت جفائها قائلة :
_ ولا إنت كمان تعرف اللي أنا فيه من إمبارح !
ثم تركته وغادرت يشتعل من الغيظ فلم يجد ما يخرج به غضبه سوى الحائط الذي ركله بقدمه وهو مغتاظ من قسوتها وإصرارها على أن تدمي قلبه الدمـ,,ــــء أكثر وتصيبه بجروح عميقة لن تشفى بسهولة .
***
كان في صباح اليوم التالي داخل مقر شركته وفي مكتبه يباشر أعماله بصعوبة وتفكيره تستحوذ هي عليه ، بحيث تشله عن التفكير في أي شيء عداها ، حتى دخل مروان لينتشله هو من تفكيره المتعب بالنسبة له :
_ ادخل ولا مش فاضي يامعلم
_ ادخل يامروان
قالها مبتسمًا فبادله هو الابتسامة وجلس على أحد المقاعد ليستقبل سؤاله المتعجب :
_ إيه في حاجة في الشغل ولا إيه !؟
_ لا حاجة ملهاش علاقة بالشغل أصلًا
قطب حاجبيه وأجاب بفضول :
_ أمال إيه ؟
بدأ من بداية الموضوع بدون مقدم*ات حيث قال بثبات مبتسمًا بعذوبة :
_ بخصوص أسمى ، أنا كنت جاي اطلب إيد أسمى منك

