_ الفصل الثلاثون _
عندما ذكرَ كلمة ” آمان ” أصابها بالفضول الشديد حول ما الذي فعله لها جعله يبدأ الحديث بكل هذا الغموض فقالت بريبة :
_ عملت إيه ؟!
_ إنتي طبعًا عارفة معتز
أماءت برأسها في إيجاب ثم همست بفضول أكثر :
_ أيوة عرفاه مش إنت حكيتلي عنه وكفاية اللي عمله معاك وحاول ي*ك
تنهد الصعداء بضيق بسيط بعد أن قرر أن يدخل في ورد الموضوع فورًا دون أن يبدأ في مقدم*ات أخرى ليس لها فائدة وهتف بصوت خافت :
_ معتز أخوكي ياملاك ، والدك كان متجوز قبل عمتي الله يرحمها وكان معاه ابن ، أنا وريان كنا عارفين من زمان جدًا بس كنا بنخبيكي منه لأن مكناش واثقين فيه وكنا خايفين لما يلاقيكي يحب يأذيكي أو كدا لأن اللي أعرفه أمه م*اتت بسبب أنها جاتلها صدمة لما عرفت أن جوزها أتجوز عليها وبعدين حصل معاها مضاعفات وم*اتت ، فكنا متوقعين أنه هيبقى عايز ينتقم لأمه منك ومازالنا متوقعين ده عشان كدا أنا وريان بنحاول نخليكي بعيدة عنه لغاية ما نخلص منه
ران الصمت المخـ,,ــــيف بينهم وهي تطالعه بجمود تام وكأن ما قاله لم يؤثر فيها حتى ظن لوهلة أنها تعرف بالأمر ، ولكن في الواقع فقد أخذت الصدمة طريقًا مغايرًا هذه المرة على وجهها بدلًا من أن تنفعل بقيت صامتة تحدقه بسكون شديد ، ومن الداخل تجاهد في استيعاب الأمر ، وأن ما يقوله ليس مزحة بل حقيقة ! ، أن لديها أخ ولم تراه أو تعرف به حتى ويتضح بكل سهولة أن زوجها وابن خالها الذي كانت تثق به ثقة عمياء يخفي عنها أمرًا خطيرًا ومهمًا ، حتى وإن لم يكن على درجة عالية من الأهمية بالنسبة لهم فهو بالنسبة لها شيئًا شديد الأهمية .
ظل يحدقها بحيرة من صمتها الغريب هذا بالنسبة له حتى أخيرًا وجدها تهمس ببلاهة :
_ معتز مين !! ، قصدك معتز اللي كنت بتكلم عنه دلوقتي أنه حاول ي*ك واللي قولتلي أنه خطف أسمى وكان السبب في حادـ,,ــــث هي عملته وسر*ق فلوس منكم ؟
_ أيوة هو ياملاك
قالها بعبوـ,,ــــس فانحرف نظرها عنه ليدور في الغرفة بأكملها في ذهول وهي تكمل ساخرة :
_ أهاا وأنا الغبية اللي بينك إنت وأستاذ ريان ، في البداية ريان استغل ثقتي فيه وخبى عني حاجة زي كدا وحتى إنت لما عرفتك وأتجوزتك مفكرتش تقولي ، بمعني أصح إنتوا استغبتوني
هتف باعتذار وهو يحاول تبرير موقفه :
_ ملاك ياحبيبتي أنا قولتلك كنا خايفين عليكي منه ومازلنا
وثبت واقفة من الفراش لتصيح به مندفعة وكأن ما كان قبل قليل هو هدوء ما قبل العاصفة :
_ بأي حق تخبوا عني حاجة زي دي ، أنا مش قادرة استوعب اللي بتقوله أساسًا ، وإنت بتقولي كنا خايفين عليكي قال .. هو ينفع أروح أخونك يا أُسيد وأجي أقولك بعد فوات الآوان أنا كنت بخونك وأبرر موقفي بإني كنت خايفة عليك من الصدمة !!
هب هو الآخر واقفًا وقال بهدوء في صوت رزين :
_ في فرق بين إني أعمل الحاجة عشان مصلحتك وعشان متأذكيش وفي فرق بين إني بعمل الحاجة لمجرد الاستمتاع والخوف من ردة الفعل لو على مثال الخيانة زي ما قولتي !
صاحت به كالمجنونة :
_ إنت مدرك إنت بتقول إيه أصلًا ، قال معتز إخوكي ياملاك ! ، يااااه بكل سهولة كدا أنا طلع عندي أخ ومكنتش أعرف ومنتظر مني أعمل إيه أفرح مثلًا !!
_ ممكن تهدي عشان نعرف نتفاهم وأفهمك الموضوع من الأول وبهدوء
صرخت به بأعين دامعة :
_ تفهمني إيه هااا ! .. تفهمني إنك إنت وابن عمك خلتوني زي المغلفة ، ولا إنك كنت بتبص في عيني كل يوم وتحكيلي عنه وعادي جدًا ومفيش أي ضمير عندك ، لا برافوا بجد يا ولاد الصاوي !
اقترب منها وأمسك بيدها وهمس بصوت صادق ونبرة حانية :
_ ليه مش عايزة تفهمي إني مكنتش هعمل كدا إلا لو عارف إنه هيأذيكي ، كنت خايف عليكي ياملاك
سحبت يدها بعنف وقالت بصوت يغالبه البكاء :
_ هو مأذنيش بس إنت آذتني باللي عملته ده
ثم تركته وغادرت الغرفة لتذهب إلى أحد الغرف المجاورة لتترك مساحة لدموعها بالنزول .. تترك مساحة لعقلها تقبل تلك الحقيقة التي سمعتها الآن !! ، أما هو فجلس على الفراش يخنق وحزن وفضّل أن يتركها بمفردها حتى تهدأ ويعود للحديث معها مُجددًا .
***
مع إشراقة شمس يوم جديد …..
كانت قد خرجت ليلى من غرفتها وذهبت إلى المطبخ ؛ لكي تقوم بتحضير شيء تتناوله بعد أن أعطت أجازة للخادمة وأجبرتها على الذهاب ، ووقفت تحضر الطعام بشرود تتذكر كل شيء مر عليها الأيام الماضية فتسيل دموعها كالشلال .. فهي استسلمت لحقدها على زوجة ابنها وكانت السبب في خسارة ابنها لطفله الذي ينتظره بفارغ الصبر ، وحين حاولت إنقاذ ابنها الآخر من زوجته التي كانت تسعى وراء المال أنقلب كل شيء رأسًا على عقب وأصبجت هي في المواجهة . لم تكن بكل هذا السوء الذي تصوروها به فهي كأي أم تريد الخير لأبنائها وتحبهم وكل ما فعلته مع مراد كان لصالحه ، أما ملاك فربما هي أخطأت في حقها ووجهت لها اتهام*ات ليس لها معنى من الأساس ، ولكنها تُقسم الآن إن عاد أُسيد لها فستكون شخصًا مختلفًا ولن ترى زوجته منها سوى الطيبة والمودة ، ستتلافى كل أخطاءها واحدًا تلو الآخر .
رفعت نظرها ليقع على زوجها الواقف أمامها ويطالعها بأسى وعتاب فخرج همسها المندهش :
_ ياسر !
همس بتحسر :
_ عملتي كل ده ومستنية منهم إيه ، يسامحوكي !
_ أنا معملتش حاجة صدقني يا ياسر
وجدته يقترب منها وهو يهتف بغضب وحزم :
_ هي دي الأمانة اللي سبتهالك يا ليلى تعملى كدا مع ولادك ، دمرتيهم .. مراد يمكن نسي اللي حصله وعايش مرتاح مع سارة لكن أُسيد خسرَّتيه ابنه وحتى لما حب يتجوز ويفرح مسبتهوش مرتاح مع مراته
قالت ببكاء عنيف في صدق :
_ أنا م*تش ابنه والله ، أنا مكنتش أعرف إن ملاك حامل صدقني يا ياسر و لو كنت أعرف عمري ما كنت هعمل كدا
_ كدابة يا ليلى كدابة ، وحتى لو مراد وأُسيد سامحوكي أنا مش هسامحك
انهارت باكية وهمت بأن تقترب منه وتلمسه وهي تهتف برجاء :
_ لا يا ياسر متقولش كدا ، أنا مخنتش الأمانة اللي سبتهالي دول ولادي ومستحيل أذيهم
قبل أن تمد يدها لتلمسه كان ذلك الخيال ينصرف من أمامها فتقف مذهولة وتبدأ بالتلفت من حولها وهي تهمس بأسمه في خفوت باندهاش ، وفي آخر مرة همست بأسمه كانت تخر على الأرض باكية وتشهق بصوت عالي متمتمة ببعض الكلم*ات الغير مفهومة .
لحظات وكانت أسمى تدلف إلى المنزل فتسمع صوت نحيبها قادم من القمطبخ فتركض نحوها وعندما وجدتها فذ ذلك الوضع ج*ثت على قدماها أمامها وقالت بهلع :
_ ماما مالك ؟!
نظرت لها وقالت بصوت مرتجف :
_ أبوكي كان هنا يا أسمى أنا شفته وقالي حتى لو مراد وأُسيد سامحوكي أنا مش هسامحك ، قالي مش هيسامحني يا أسمى ياسر زعلان ومدايق مني بيقولي إني خنت الأمانة اللي سبهالي ومكنتش لولادي الأم والأب زي ما وصاني
طالعتها بأعين دامعة وقد تشقق قلبها حزنًا على حالتها ، فقد وصل بها الوضع للتخيل ، بدأ عقلها بصور لها أشكال ويخلق أحاديث من داخله لكي يشعرها بالندم أكثر . حزنت بشدة لأنها لم ترى والدتها بهذا الوضع في حياتها حتى يوم وـ,,ــــفاة والدها لم تفعل هكذا فقد بقوا بجانبها حتى تلافت تلك الصدمة ، والآن هي في صدمة عتيدة ولن تستطيع الخروج منها بأي شكل إلا عندما يعود الحال كما كان عليه سابقًا ! .
عانقتها بحنان وقالت بصوت يغالبه البكاء :
_ اهدى يا ماما مفيش حاجة من اللي بتقوليها دي ، إنتي كنتي بتتخيلي بس مش أكتر ومتقلقيش والله أنا واثقة إن أُسيد ومراد هسامحوكي ، في الأول والآخر إنتي أمهم ومش هيقدروا يقعدوا مقاطعينك كدا كتير وأُسيد عاقل أول ما يهدى شوية وينسى الموضوع هو من نفسه هياجي يكلمك !
ازداد بكائها أكثر في احضانها وظلت تبكي بحرـ,,ــــقة لدقائق طويلة …..
***
فتح الباب ودلف ثم أغلقه ونزع سترته عنه وبدأ يفتش عنها في المنزل كالعادة فمنذ ما حدث الأمس لم يذهب لها وتركها كما قرر حتى تهدأ قليلًا . فتش في المنزل بأكمله فلم يجدها حتى بقى غرفتها ففتح الباب وجدها تجلس على الفراش وتضم ساقيها إلي صدرها وتلف ذراعيها حولهم وتستند بذقنها عليهم ، وجهها واضح عليه الشحوب وكأنها لم تنم طوال الليل فاقترب منها وجلس بجوارها ومد يده ليلمس ذراعها فانكمشت على نفسها أكثر بعيدًا عنه ؛ فأصدر تنهيدة حارة بوجه عابس ثم همس :
_ إنتي منمتيش ولا إيه ؟!
استقرت نظرة منك*سرة منها عليه توضح من خلالها الدمار الداخلي الذي يمتلكها منذ أن أخبرها بتلك الحقيقة ، وهتفت بثبات وقوة مزيفة :
_ ملكش دعوة بيا ، وقوم من جمبي مش عايزة أشوفك
نظرتها صوبت نحو قلبه الضر*بة القادية ومزقته ، جعلته يشعر بأنه لم يوفي بوعده لها حين تزوجها بأنه لن يجعل تلك النظرة المنك*سرة في عيناها أن تعود لعيناها الجميلة مجددًا ، بات لا يعرف لماذا كل شيء يسير معاكسًا لرغباته ووعوده ؟! ، أصبح كل يوم يواجه مخاطرة من شكل مختلف وكل منهم تصر على جعله أن يخلف بتلك الوعود وتكاد تفعل بالفعل ولكنه يدرك نفسه قبل فوات الآوان ، ولكن الآن فات الآوان فقد رأى تلك النظرة مجددًا .
إلحاح قلبه وعقله عليه بأن يضمها ويستخدم سحر كلم*اته لربما يزيل تلك النظرة التي تمزقه إربًا كان لا بتوقف ، فاستسلم لذلك الإلحاح وضمها لصدره وهو يهمس بصوت خافت وصوت كان له أثره بالفعل على نفسها حيث تبلور كسمفونية عُزفت بإيدي عازف ساحر وماهر في السحر ، فلكل منهم سلاحه الخاص في السيطرة على الآخر :
_ أنا قبل ما أقولك ، سألتك لو إنتي واثقة في إني مبعملش حاجة غير لمصلحتك وكانت الإجابة منك أكيد ، أنا مش بقولك إني مغلطتش بس لما يكون الموضوع يخص حد بتحبه مش هتفكر لحظة في حمايته حتى لو إنت عارف إن العواقب هتكون وخيمة فيما بعد ، وأنا عشان كدا قررت أقولك بنفسي لأن مهما كان غضبك مني عمره ما هيكون زي لما تعرفي من حد تاني ، أنا مش عايز منك حاجة غير إنك تفهميني .. تفهمي خوفي عليكي وإني بعمل المستحيل علشان أخليكي في آمان ، قولتلك قبل كدا إنتي أمانة من ربنا وده واجبي إني أحافظ عليكي ، فلما أخبي عنك حاجة أنا واثق إنها هتأذيكي مش عايز أشوف نظرة الانكسار دي في عينك كأني بدل ما أحميكي أذيتك .. مش عايزك إنتي كمان تديري ضهرك ليا !
أجهشت بالبكاء أكثر ولم تقدر على فعل شيء سوى التشبت بملابسه كالغريق الذي يستنجد بأحدهم لينفذه من الغرق ، وهو يحكم الق*بض عليها ولف ذراعيه حولها بينما هي فتنتفض بين يديه من فرط بكائها ، فد*فن هو وجهه بين ثنايا عنقها يستنشق رائحتها ورائحة شعرها ، حتى شعرت بقبلة منه على عنقها أذابتها وجعلتها تسكن تمامًا كالذي كان على وشك أن تغادره روحه ، وخرج همسها ضعيفًا :
_ ده مش سبب يا أُسيد إنت كنت قادر تقولي ، وتقولي إن أخوكي عايز يأذيكي لكن تسيبني كدا لا إنت مش عارف أنا مقهورة إزاي .. يمكن هو مش عايز يأذيني ولا حاجة ولو كان فعلًا عايز يخليني جمبه يمكن مكنش ده كله حصل معايا مكنش أكرم قدر يعمل معايا كدا لأنه هيكون عارف إن في ورايا ضهر ولو عملي حاجة هيتصدرله لكن باللي عملتوه إنت وريان خلتوني لعبة في إيد أكرم خلتوني مكسورة وللأسف لما أحتجت لريان ملقتهوش جمبي
مرر يده على شعرها وقال بصوت متألم :
_ أنا لو كنت قاعد وقتها وعرفت مكنتش هسمح لحاجة زي ده تحصل أبدًا
_ بس مكنتش موجود يا أُسيد لا إنت ولا ريان وأنا اللي دفعت التمن ودلوقتي وضحتولي قد إيه أنا كنت ساذجة لما وثقت فيكم
أبعدها عنه وأحاط وجههت بكفيه قائلًا بنعومة :
_ إنتي مجبورة تثقي فيا دلوقتي لأنك مش هتلاقي حد يحبك قدي ومستعد يضحي بسعادته على حساب سعادتك إنتي
قالت بثبات وأعين غائمة بالدموع :
_ بس إنت ضحيت بسعادتنا احنا الأتنين يا أُسيد
أبعد يداه عنها و* بنظرات حزينة :
_ يعني إنتي شايفة كدا ! ، شايفة إني معنلتش أي حاجة عشانك ، شايفة إني مستحقش مسامحتك !
أشاحت بوجهها للجهة الأخرى في أعين دامعة ووحها متألم ، وهي تستعد لغضبه الآن على قسوتها التي يشهدها للمرة الثانية ولكن وجدت العكس منه حيث نهض وزفر بضيق ثم انحتى وطبع قبلة أقل ما يقال عنها أنها جعلتها تغمض عيناها بتلذذ وقال بحنان :
_ طيب يا ملاكي براحتك أنا مش هضغط عليكي ، وهسيبك برضوا ونكمل كلامنا بعدين لما تكوني هديتي أكتر . لو احتجتي حاجة أنا برا
تابعته وهو يغادر بضيق لا تعرف إن كان منه أم من نفسها لأنها أصبحت حمل تُسبب له الألم دومًا والحزن ! .
***
أجاب مراد على الهاتف مبتسمًا بمرح وهو يقول :
_ أهلًا إيه الأخبار يا نسيبي ؟
وجد انفجار بركاني يصيح به قائلًا :
_ إنت فين يا مراد ؟
_ في البيت ليه في إيه ؟!
خرجت نبرته السابقة المتعجبة بشدة من طريقته وفورًا وجده يختف بجدية ونبرة لا تقبل النقاش :
_ طيب البس واستناني في في شقتك القديمة أنا جاية في الطريق من البلد
_ في إيه يا ريان م*اتفهمني ؟!
_ لما أجي هتفهم سلام !
انهى الاتصال معه ثم اندفع إلى غرفته يرتدي ملابسه على عجالة وعقله يطرح ملايين الأسئلة حول غضبه العجيب هذا ، وبينما هو راحل وجد سارة تعتري طريقه قائلة باستغراب :
_ رايح فين يا مراد ؟
_ أخوكي عايزني ضروري رايحله !
قالت بشيء من الخوف والهلع :
_ ليه هو حصل حاجة لحد ؟!
أمسك بيده كحركة تلقائية لطي يطمئنها وقال بصوت ناعم وجميل :
_ لا يا حبيبتي مفيش حاجة هو تلاقيه موضوع في الشغل إنتي مش عارفة أخوكي ونرفزته يعني
_ طيب بس متنساش تطمني برضوا
انحنى وخطف قبلة سريعة من وجنتها هاتفًا على عجالة :
_ حاضر ، يلا في رعاية الله
غادر المنزل تاركًا إياه تقف متسمرة بأرضها تفكر في الأمر بجدية وخوف .
دقائق ليست بطويلة وكان قد وصل مراد إلى شقته وفتح الباب ثم دخل وجلس على الأريكة ينتظره . في لحظة جال بعقله أنه عرف بأمر زمردة وهذا هو سبب غضبه ، ولكن نفض عن ذهنه تلك الفكرة ؛ فأن كان عرف كانوا بالتأكيد سيعرفون ؛ لأنه لن يترك الأمور تسير بكل هدوء هكذا وكان سيقلب الطاولة فوق الجميع .
مرت دقائق طويلة تكاد تكون ساعات بالنسبة له ، حتى وجد طرق الباب القوي فنهض فورًا وفتح ، ليقابل الثوران العاتي المندفع منه بعد أن دفعه بعيدًا عن طريقه ودخل ، فأغلق مراد الباب وقال بفضول :
_ في إيه مالك ؟!
استقرت نظرة ملتهبة منه وهو يصيح به منفعلًا :
_ كنت عارف بموضوع عبدالرحمن وجوازه من زمردة ومخبي عني يا مراد ، استغبتوني كلكم
ظهر أن ما توقعه كان صحيح ، يبدو أنه عرف منها ، بات يتساءل ما الذي جعلها تقول الحقيقة له يا ترى ، ولكن الآن أصبح الأمر أكثر تعقيدًا من ذي قبل وسيواجه هو الطوـ,,ــــفان العاتي المندفع من ابن عمه حاليًا ! .
قال في هدوء :
_ أيوة كنت عارف بس طبيعي كنا نخبي عنك يا ريان لأنك مجنون ومش بعيد كنت تروح ت* بنت خالتك ومتقولش مكنتش هعمل كدا ، وأهي دلوقتي محدش
عارفلها طريق ومن الواضح إنها سافرت برا مصر خالص
صرخ به بصوت جهوري مخـ,,ــــيف :
_ وزمردة إيه كمان كنت ه*ها لما أعرف أنها مرات أخويا ، مخبين حاجة زي دي عني ليه !!؟
_ لأن طبيعي لو كنا قولنا موضوع زمردة هيتعرف موضوع * عبدالرحمن ، واحنا مش عايزين نهلة تشك إننا عرفنا وبندور عليها ، بلاش عصبية يا ريان وتهور وفكر بالعقل ولو عندك حل أو طريقة نوصل بيها لنهلة دي قول
جلس على أحد المقاعد دافنًا رأسه بين كفيه وهو يقول بشيء من التحسر :
_ عقل إيه إنتوا خليتوا فيا عقل ، وحتى زمردة مش بترد عليا
توجه وجلب مقعد ليجلس أمامه قائلًا بريبة :
_ احكيلي حصل إيه لما قالتلك طبعًا أكيد بغباءك اتعصبت عليها
زم شفتيه بضجر ثم بدأ يسرد له كل ما حدث فصاح به مراد لاعنًا إياه بغيظ وهو يقول :
_ مش بقولك حمار ! ، وهي إيه زنبها يا بني آدم بتتنرفز عليها ليه بعدين احنا اللي خلناها متتكلمش مش هي من نفسها خبت عنكم كدا
_ معرفش بقى أنا مقدرتش اتحكم في أعصابي واتعصبت عليها ، ولما بحاول اتصل بيها دلوقتي أعتذر منها مبتردش
أجابه ساخرًا بازدراء :
_ طبيعي متردش يعني كمان غلطان ومش عاجبك إنها مبتردش
***
أسدل الليل ستاره على الجميع وبينما كانت هي جالسة على الأريكة تتأنل النجوم كعادتها اقترب منها وجلس بجوارها ثم بقى للحظات ودقائق يحمل معها في السماء بشرود وصمت حتى قطعه قائلًا :
_ هتفضلي زعلانة كدا مني كتير ؟!
قالت بضيق بسيط :
_ أيوة !
لم يغضب أو يتضايق هذه المرة منها فهو يرى المسامحة في عيناها ولكنها تأبى الخضوع تكاد تكون ضعيفة وتحتاج لعناق آخر منه ولكنها ترفض استسلامها له .. يرى أنها بسهولة سيستطيع إزالة ذلك الجليد فهو لم يكن مشابه لذلك الجليد الذي تجمد على قلبها في المرة السابقة وكان سيهوي بهم إلى الحافة .
فأكمل بخشوع أشد :
_ وهتفضلي لغاية إمتي كدا ؟!
_ معرفش !
تنفس الصعداء بخنق ثم جلس يكمل جلسة الصمت خاصتهم حتى جالت بعقله فكرة خبيثة ، سيستطيع من خلالها تلطيف الجو قليلًا بينهم ، فنظر لها ودقق النظر بها جيدًا ثم قال بدهشة :
_ إيه اللي عدى هناك ده
نظرت إلى ما ينظر إليه بتلقائية وقالت بعفوية :
_ إيه اللي عدى ده
تصنع الفزع والخوف بمهارة لكي يخلق لها جوًا مخـ,,ــــيفًا ولعلمه تمامًا أنها تخشى الأشباح والظلام ثم قال :
_ في واحد شفته هناك واقف
انتصبت في جلستها فورًا بتوتر ثم قالت لها بتحذير :
_ أُسيد لو بتحاول تخوفني مش هيحصل طيب
_ وأنا هخوفك ليه ! .. أهو ظهر تاني مش شيفاه
قالت بشيء من الاستنكار بعد أن أدركت أنه يستغلها :
_ لا مش شيفاه ومش عايزة أشوفه !
ولكن مهما فعلت لن تستطيع الانتصار على هذا الماكر الذي مدرك تمامًا لكل خطوة هو يفعلها ، فظل محدقًا أمامه بصدمة ثم فجأة بدأ يفك أزرار قميصه العلوية ليجعل بعض من الهواء يدخل لرئتيه ويضع يده على رقبته يتنفس بصعوبة ، ونجح في إثارة خوفها وقلقها حيث قالت :
_ أُسيد مالك
لم يستطيع الأجابة عليها وعيناه بدأت تنغلق وصدره يعلو ويهبط فصاحت به برعب وإرتجاف :
_ أُسيد رد عليا إنت كويس .. أُسيد
_ هاتيلي مايه ياملاك
ركضت إلى المطبخ لتجلب كوب الماء له بينما هو بيتسم بلؤم فإن كان يريد إخافتها فالبطبع لديه هدف .. وهو أن يثير مشاعر الخوف بداخلها ويجعلها تتراجع عن النوم في غرفة بمفردها اليوم وتأتي في غرفتهم لتشاركه الفراش ! . ثواني وأتت بكوب الماء وقدمه له بيد مرتعشة من الخوف ، فتناوله منها وشربه دفعة واحدة ليجدها تهتف :
_ حصلك إيه إنت ؟
قال بصوت رخيم في جدية تامة :
_ معرفش أنا مرة واحدة لقيت حاجة بتخنقني كدا .. واضح إني مكنتش بتخيل ولا حاجة
هنا بدأ يثير الخوف بداخلها بالفعل حيث بدأت تتلفت حولها بارتعاد بسيط فأكمل هو الخوف أكثر عليها حيث قال :
_ أهو قدامك مش شيفاه
لا يعرف أنها مهوسة بشيء يدعى الأشباح وبإمكانها أن تتخيلهم بالفعل إن كانت خائفة !! ، صور لها عقلها الباطن طيف مر سريعًا من أمامها فجلست فورًا بجواره وقالت بخوف وهي تتشبت بذراعه :
_ حرام عليك بتخوفني ليه ؟!
ساد السكون بينهم للحظات وهي تتابع كل ركن في المنزل بخوف ، وبينما هي شادرة اقترب من أذنها وصرخ بها فانتفضت جالسة وحين وجدته يضحك ففهمت فورًا أنه كان تمثيل بارع منه ، فانهالت عليه توجه له الضر*بات القوية في كل مكان من جسده العلوي وتصيح به باغتياظ :
_ حيوان والله كنت على ثانية وهيغمى عليا من الخوف
كان داخل نوبة ضحك هستيري ويحاول الإمساك بيدها الصغيرة التي تتحرك بخفة في كل ناحية لتضر*به بها ، حتى ق*بض عليها أخيرًا وقال من بين ضحكاته :
_ ده أنا مزودتش الجرعة كمان قولت حرام كفياها كدا
_ أنا عارفة إنت بتعمل كدا ليه ، وبرضوا هنام في الأوضة وحدي
لم تجدي خطته نفعًا ، ومصرة على النوم بمفردها بعيدًا عنه فلم يكن عساه سوى أن يقول لها وهي مغادرة :
_ طاب خلي بالك ليجليك بليل !
ابتسمت له بقرف ثم قالت متغطرسة :
_ أهلًا وسهلًا بيه يشرفني !!
ضحك بخفة ثم قال ضاحكًا :
_ أبقى سلميلي عليه طيب متنسيش !
أتجه كل منهم لغرفة مختلفة ومرت ما بقارب الساعتين ولم يستسلم أي منهم للنوم ، فكل منهم مستلقي على فراشه بفكر في أمور مختلفة . لم يعتاد هو على تركها الغرفة له ينام بمفرده فهو يواجه صعوبة في النوم بدونها إن كانت غاضبة منه ، ولن يتحمل ذلك الوضع كثيرًا ، فنهض من مكانه وخرج متجهًا نحو كهرباء المنزل بأكملها ثم أطفأها وعاد إلى غرفته مجددًا يتصنع النوم وينتظر قدومه وهو يعرف جيدًا أنها ستتوتر من الظلام وستأتي له .. وبالفعل دقائق قصيرة وكانت تفتح الغرفة وتقترب منه تهزه قائلة :
_ أُسيد قوم النور قطع ليه ؟!
قال وهو يتصنع النعاس والرغبة في النوم :
_ نور إيه اللي قطع ده !!؟
_ نور البيت مفيش نور في البيت
_ طيب وأنا أعملك إيه أروح اتخانق مع شركة الكهربا يعني ، نامي يا ملاك وبلاش شغل عيال
التهبت عيناها بلهيب نيراني مغتاظ ثم قالت بتذمر وهي تدفعه قليلًا للخلف لتنام بجانبه :
_ طيب ادخل جوا شوية !
أفسح لها مساحة تكفيها ومن داخله يكاد يتراقص فرحًا ، استلقت هي بجواره ووبته ظهرها ومازالت تحملق في الظلام من حولها بخوف وكالاطفال تذكرت ما حاول إخفاتها به منذ قليل عن الأشباح فزاد ذلك من خوفها أكثر ، ولكن فجأة شعرت بجسده يعانقها ويضمها من الخلف فلولا ذلك الوضع الذي هي فيه لكانت انفعلت بشدة على ما بفعله الآن ولكنها كانت في أشد الماسة لقربه ولمسته لكي تطمئن نفسها قليلًا وتستطيع النوم فلم تبدي أي اعتراض على اقترابه منها بل أغمضت عيناها بتلذذ وغاصت في النوم بعد دقائق ليتبعها هو الآخر ! ….
***
في الصباح ارتدت أسمى ملابسها واستعدت للخروج ، فصعدت بالسيارة ثم صعد بالمقعد الأمامي السائق الخاص بها وأخبرته بالمكان الذي تريد الذهاب إليه . دقائق طويلة وكانت السيارة أمام مبنى ضخم وكبير فتترجل هي منها وتخبره بأن ينتظرها حتى تأتي ، ثم صعدت الدرج قاصدة شقة معينة فإذا بها تتفاجئ بأن الباب مفتوح فتدخل ببطء وتبحث بنظراتها في المنزل وحين يقع نظرها على ذلك المشهد فترتجف رعبًا ودهشة ! .

